إلى أي درجة يمكن أن نثق في الأرقام والنماذج الرياضية لفهم الاقتصاد وتحليله؟
تخيل معي أن هناك قرية قررت رفع الحد الأقصى للسرعة على الطريق الرئيسي من 80 كم/ساعة إلى 100 كم/ساعة. وفي نهاية العام ارتفعت الحوادث بنسبة 10%. تبدو العلاقة واضحة ومباشرة، وقد يتخذ المسؤولون قراراً بالتراجع وإعادة الحد إلى 80 كم/ساعة.
لكن ذلك يفترض أن السرعة هي العامل الوحيد الذي تغيّر. ماذا لو أنه، بالتزامن مع قرار رفع السرعة، تم أيضاً تخفيض الحد الأدنى لعمر الحصول على رخصة القيادة من 18 إلى 16 سنة؟
أي العاملين هو السبب الحقيقي في ارتفاع الحوادث، أو ما نسبة مساهمة كل عامل في هذا التغير؟
هنا يبدأ الجدل بين فريقين:
- فريق يقول إن السرعة ليست السبب، لأن القرى المجاورة تحدد السرعة بـ100 كم/ساعة منذ سنوات، ولم تشهد ارتفاعا مماثلاً في الحوادث.
- وفريق آخر يقول إن تخفيض العمر ليس السبب أصلًا، لأن عدد من حصلوا على الرخصة في تلك الفئة العمرية قليل جداً، ولا يمكن أن يفسر هذه الزيادة.
ولنجعل المثال أكثر واقعية. هناك عدد كبير من العوامل التي قد تؤثر في العلاقة السببية: ربما استقبلت القرية زوار أكثر من المعتاد، وربما كان موسم الأمطار أطول من السنوات السابقة، وربما أغلقت أعمال الصيانة بعض الطرق البديلة، وغيرها من العوامل.
إذا القياس صعب ومعقد… ولكن
في هذا المثال المبسط نلاحظ أنه كلما كانت أدوات جمع البيانات أفضل، أصبح عزل المتغيرات أدق، وأصبحت النماذج أكثر قدرة على تفسير الواقع.
فلو كان كل سجل لحادث يتضمن سرعة المركبة، وموقع الحادث، وعمر السائق، وهل هو من سكان القرية أم زائر، وتوقيت الحادث، وحالة الطقس، وغيرها من البيانات، لأصبح فصل تأثير كل عامل أسهل، وأصبحت النتائج أكثر دقة.
وبغض النظر عن دقة قراءتنا، فهناك سبب أو أسباب مادية. وعدم قدرتك على قراءتها وتحديد تأثيرها لا يعني أنها غير موجودة.
لنعد الآن إلى سؤالنا الأساسي.
أحد أهداف علم الاقتصاد فهم العلاقات السببية بين رغبات الأفراد وسلوكهم، وبين عوامل السوق، والسياسات العامة، والقيود المختلفة. ويمكن تخيل حجم العوامل المتداخلة، والظواهر الفريدة التي لا تتكرر بحذافيرها، وإن كانت أنماطها تتكرر باستمرار.
وهذا ما يدفع بعضهم إلى القول إنه، بسبب هذا التعقيد، لا يمكن الاعتماد على الأرقام أو الإحصاءات أو النماذج الاقتصادية أصلاً ، وكأن الإجابة على أي دراسة لا توافق قناعاتهم هي: «أحس لا».
في المقابل، يعترف الاقتصاديون أصلاً بمحدودية القدرة الحالية على فصل جميع المتغيرات. بل إن من أول العبارات التي يتعلمها طالب الاقتصاد هي: ceteris paribus، أي: «بافتراض ثبات بقية المتغيرات». ثم تبدأ النماذج تدريجياً بإضافة المزيد من العوامل والمتغيرات لمحاولة الاقتراب أكثر من تفسير الواقع.
ولهذا، من يتابع الأوراق العلمية ورسائل الدكتوراه في الاقتصاد، خصوصاً خلال الثلاثين أو الأربعين سنة الماضية، يجد أن معظمها يعتمد على النماذج الإحصائية وتحليل البيانات الضخمة. بل أصبح من النادر أن تجد أطروحة تعتمد على السرد أو التنظير المجرد وحده، وللوهلة الأولى قد لا تستطيع التمييز بين بعض رسائل الدكتوراه في الاقتصاد ورسائل الدكتوراه في الرياضيات أو الإحصاء.
وليس سراً إلى أين يتجه هذا العلم. عاماً بعد عام تزداد قدرتنا على جمع البيانات وحفظها وقياسها، ويزداد الترابط بين اقتصادات العالم، كما تتطور التقنيات القادرة على تحليل هذه البيانات ومعالجتها، بل واحياناً بشكل لحظي.
إذا كان الاتجاه العام هو نحو قدرة أكبر على فهم الواقع وتحليله، فهل من الحكمة الاستمرار في تطوير هذه الأدوات، مع الاعتراف بأنها غير كاملة؟ أم أن عدم الوصول إلى الكمال يبرر رفضها بالكامل، والتعامل مع الظواهر الاقتصادية وكأنها مجرد حدس أو تكهن؟
وهناك نقطة مهمة هنا، وهي أن الهدف ليس الوصول إلى الحقيقة المطلقة أو الكمال، بل الوصول إلى «أفضل البدائل». وهذا ما يغيب عن أغلب النقاشات. فوجود نواقص أو تأثيرات سلبية لا يعني أننا في أسوأ سيناريو ممكن، ولذلك تبقى المقارنة عاملا أساسياً: بين وضع حالي ووضع سابق، وبين هذا النطاق والنطاق المجاور له.
ودمتم…