Saudi Citizen 🇸🇦

Riyadh
Pinned Tweet
بين شعبه وجنده، لا تراه لوحده، بل ترى وطنًا اجتمعت فيه محبّةُ الناس، وعزيمةُ الرجال، وهيبةُ الدولة؛ حفظه الله وحفظ به عزّ المملكة ومجدها. 🇸🇦
13
70
15,048
السعودية.. حين يصبح الذكاء سلعةً تُصدَّر إلى العالم 🇸🇦🔬 أعتقد أننا نقف أمام تحوّل اقتصادي سعودي قد لا تقل أهميته على المدى البعيد عن التحولات التي أحدثها النفط في تاريخ المملكة. فكما اعتاد العالم أن يشتري من السعودية الطاقة التي تُدير مصانعه، وتُحرّك وسائل نقله، وتُضيء مدنه، فقد يأتي يومٌ يشتري فيه منها القدرة الحاسوبية التي تُشغّل أنظمته الذكية، والنماذج التي تُعين مؤسساته على اتخاذ قراراتها، والتقنيات التي تُطوّر إنتاجه. وليس هذا تصورًا أدبيًا لمستقبلٍ بعيد؛ بل احتمالٌ اقتصادي بدأت تتشكّل له مقدمات حقيقية على أرض المملكة. ولكي نفهم حجم الفرصة، ينبغي أن نغيّر قليلًا الطريقة التي ننظر بها إلى الذكاء الاصطناعي. فحين يسمع كثيرٌ من الناس بهذا المجال، يتبادر إلى أذهانهم تطبيقٌ يجيب عن الأسئلة، أو برنامجٌ يصنع الصور، أو مساعدٌ ذكي يكتب النصوص. غير أن وراء هذه التطبيقات صناعةً هائلة، تتطلب مراكز بيانات تضم أعدادًا ضخمة من المعالجات المتقدمة، وشبكات اتصال عالية السرعة، وأنظمة تبريد، وكميات متزايدة من الكهرباء، ومهندسين وباحثين قادرين على بناء النماذج وتطويرها وتشغيلها. وهنا تكمن الحقيقة الاقتصادية التي تستحق التأمل: الذكاء الاصطناعي، مهما بدا لنا صناعةً رقميةً لا تُمسكها الأيدي، يقوم في أساسه على بنيةٍ ماديةٍ ثقيلة، تحتاج إلى الطاقة ورأس المال والهندسة والصناعة. وإذا كان القرن الماضي قد جعل النفط موردًا استراتيجيًا للاقتصاد الصناعي، فإن هذا القرن يفتح بابًا لأن تصبح القدرة الحاسوبية موردًا استراتيجيًا للاقتصاد الرقمي. وقد توقعت وكالة الطاقة الدولية أن يقترب استهلاك مراكز البيانات عالميًا من 950 تيراواط ساعة من الكهرباء بحلول عام 2030. ومع اتساع الطلب على الحوسبة، تتزايد أهمية البلدان القادرة على توفير الطاقة والبنية التحتية والتمويل اللازم لتشغيل هذه المنشآت بصورة موثوقة وتنافسية. وهنا تظهر المقومات السعودية. فالمملكة تمتلك منظومة طاقة ضخمة، وخبرةً صناعيةً تراكمت عبر عقود، وقدراتٍ استثماريةً كبيرة، وموقعًا جغرافيًا يتوسط أسواقًا عالمية رئيسية، إلى جانب مشروعات متنامية في مراكز البيانات والاتصالات والطاقة المتجددة. لكن اجتماع هذه المقومات لا يكفي وحده لصناعة الريادة. فالطاقة لا تتحول تلقائيًا إلى ذكاء اصطناعي، كما أن الأرض الواسعة لا تصبح مركز بيانات بمجرد توافر المساحة. ينبغي تحويل تلك الموارد إلى كهرباء تصل إلى المنشآت بالكفاءة المطلوبة، وإلى حواسيب تعمل باستمرار، وشبكات تنقل البيانات بسرعة، ونماذج وتطبيقات يجد فيها العملاء قيمةً تستحق أن يدفعوا مقابلها. وهذا تحديدًا ما يجعل المشروعات السعودية الأخيرة مثيرةً للاهتمام. تأملوا شركة «هيوماين»، التي أطلقها صندوق الاستثمارات العامة، ثم أُعلن في الأول من نوفمبر إتمام صفقة دخول أرامكو شريكًا فيها بحصة تبلغ 49%. ليست أهمية الصفقة في نسبة الملكية وحدها، بل فيما يمكن أن يجتمع داخل هذه الشركة من قدرات. فالصندوق يمتلك الخبرة الاستثمارية وشبكةً واسعة من المشروعات، وأرامكو تحمل معها معرفةً صناعيةً وهندسيةً هائلة، فيما تعمل «هيوماين» على بناء منظومة تتصل بمراكز البيانات والحوسبة والنماذج والتطبيقات الذكية. وتستهدف الشركة تطوير قدرة لمراكز البيانات تبلغ ثلاثة غيغاواط بحلول عام 2030. ولكي نقرّب معنى ذلك، فإن الغيغاواط يساوي ألف ميغاواط؛ أي إن الحديث هنا عن بنية تحتية واسعة النطاق، لا عن خوادم تُضاف إلى مبنى تقني صغير. صحيح أن هذه القدرة مستهدفة ولم تكتمل بعد، وأن حجم المنشآت وحده لا يضمن نجاحها التجاري، لكن الاتجاه الذي تشير إليه بالغ الأهمية. فالسعودية لا تريد أن تشتري خدمات الذكاء الاصطناعي فقط؛ وإنما تريد أن تمتلك القدرة على إنتاج هذه الخدمات وبيعها للآخرين. وهناك مثال يزيد الصورة وضوحًا. في أكتوبر، أعلنت «هيوماين» و«داتا فولت» اتفاقًا إطاريًا أوليًا مع شركة «نيبيوس» بشأن تخصيص قدرة حاسوبية تصل إلى 50 ميغاواط في مشروع بأوكساجون. وإذا تحوّل هذا الاتفاق إلى منشآت عاملة وعقود تجارية ناجحة، فسنكون أمام صورة مختلفة للتصدير السعودي. شركة عالمية تحتاج إلى القدرة الحاسوبية لتشغيل خدماتها، فتشتري هذه القدرة من منشآت موجودة داخل المملكة، دون أن تحتاج الخدمة الرقمية نفسها إلى سفينة تحملها أو ناقلة تنقلها. تُنتَج القدرة الحاسوبية على أرض السعودية، وتصل منفعتها إلى العملاء عبر شبكات الاتصال في أنحاء العالم. تأملوا جمال هذه الصورة الاقتصادية. في الماضي كانت ناقلات النفط تعبر البحار حاملةً الطاقة السعودية إلى المصانع والمدن. وفي المستقبل قد تعبر الألياف الضوئية حاملةً خدماتٍ ذكيةً تعمل على بنيةٍ حاسوبية سعودية، إلى شركات ومؤسسات في قارات بعيدة. ولعل بعض تلك الشركات لا يعرف موظفوها موقع مركز البيانات الذي يشغّل أنظمتهم أصلًا، لكنهم يعرفون أن الخدمة موثوقة، وسريعة، وتحقق لهم قيمةً اقتصادية. وهكذا تصبح البنية التحتية التي نبنيها هنا مصدرًا لإيراداتٍ تأتي من خارج حدودنا. غير أن الفرصة الأعمق في نظري لا تقف عند تأجير المعالجات أو توفير الخوادم. فالمملكة تمتلك قطاعًا صناعيًا واسعًا يستطيع أن يمنح الذكاء الاصطناعي شيئًا بالغ الأهمية: مشكلاتٍ حقيقية تستحق الحل، وخبراتٍ متخصصة تساعد على تطوير تلك الحلول. خذوا أرامكو مثالًا. لديها منشآت ضخمة وعمليات معقدة في الاستكشاف والإنتاج والتكرير، وبيانات صناعية وخبرات تراكمت عبر سنوات طويلة. ماذا لو استطاعت شركات تقنية سعودية تطوير أنظمة ذكية تتنبأ بأعطال المعدات، وتُحسّن استهلاك الطاقة، وتساعد على رفع كفاءة التشغيل؟ ثم ماذا لو نجحت هذه الأنظمة في التطبيق العملي، وأمكن تقديمها إلى شركات طاقة ومصانع في دول أخرى؟ سنكون حينئذٍ قد انتقلنا من استخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين إنتاجنا المحلي، إلى تصدير الحلول التي وُلدت من احتياجات صناعتنا وخبراتها. وهذه مرتبة اقتصادية أعلى من مجرد استضافة الخوادم. فالذي يبيع القدرة الحاسوبية يقدّم موردًا مطلوبًا، أما الذي يطور تقنيةً ذات ملكية فكرية ويصدّرها، فيستطيع أن يضيف إلى ذلك المعرفة والابتكار والعائد التجاري المتكرر. ومن هنا تتسع الصورة لتشمل الطاقة والطب والصناعة والخدمات المالية والنقل والخدمات الحكومية، وغيرها من المجالات التي يمكن أن تنشأ فيها حلول سعودية قادرة على المنافسة عالميًا. ولا ينبغي أن نغفل جانبًا آخر يميز فرصتنا. فالعربية لغة مئات الملايين، ولها تراكيبها ولهجاتها وموروثها المعرفي الضخم. وتطوير نماذج متقدمة تستوعب هذه الخصائص بعمق يمكن أن يفتح أمام المملكة سوقًا مهمة لخدمات الذكاء الاصطناعي باللغة العربية. وليس المقصود أن ننغلق على سوقنا اللغوية، وإنما أن نبدأ من ميزةٍ نعرفها جيدًا، ثم نتوسع منها إلى أسواق أخرى. ومع ذلك، فإن الطريق إلى هذه المكانة ليس مفروشًا بالإعلانات والاتفاقيات. فالمنافسة العالمية شديدة، والحصول على المعالجات المتقدمة ليس أمرًا مضمونًا، وتطوير النماذج يحتاج إلى مواهب وبحوث واستثمارات طويلة الأجل، كما أن مراكز البيانات تتطلب كهرباء وتبريدًا واتصالات وتكاليف تشغيل تسمح لها بمنافسة الآخرين. بل إن نجاح المشروع السعودي لن يُقاس بعدد الميغاواطات التي أُعلن عنها وحدها، ولا بضخامة المبالغ المستثمرة، وإنما بقدرتنا على تحويل تلك الميغاواطات إلى حوسبةٍ عاملة، والحوسبة إلى خدماتٍ مطلوبة، والخدمات إلى إيراداتٍ مستدامة، والإيرادات إلى معرفةٍ وصناعاتٍ وفرص عملٍ تتجدد. هنا بالضبط يُختبر الفرق بين امتلاك مقومات الريادة وتحقيق الريادة نفسها. وأنا أرى أن المملكة تمتلك من المقومات، وتبني من المشروعات، ما يجعل طموحها إلى أن تصبح مصدرًا عالميًا للذكاء الاصطناعي طموحًا جادًا له أسسه الاقتصادية والصناعية. بل أذهب أبعد من ذلك. فليس أعظم ما يمكن أن نحققه أن نستضيف مراكز البيانات العالمية على أرضنا، وإنما أن تنشأ من حولها منظومةٌ سعودية من الباحثين والمهندسين والمطورين والشركات، تستطيع بناء منتجاتها، وتطوير تقنياتها، وامتلاك حقوقها، وبيع خدماتها في مختلف الأسواق. وحين تتكامل هذه المنظومة، قد تصبح المملكة أحد المواضع التي يقصدها العالم للحصول على القدرة الحاسوبية والخدمات الذكية، كما يقصدها منذ عقود للحصول على الطاقة. لقد أنعم الله على بلادنا بثرواتٍ عظيمة، ووفقها إلى استثمارها في بناء اقتصادٍ امتد أثره إلى أنحاء المعمورة. واليوم تتاح أمامنا فرصةٌ أخرى لاستثمار تلك النعم، لا في استخراج موردٍ جديد من باطن الأرض، وإنما في تحويل الطاقة ورأس المال والمعرفة إلى صناعةٍ جديدة تُنتج ما يحتاج إليه العالم. فإن كان النفط السعودي قد أسهم في تشغيل آلات القرن العشرين، فإن طموحنا أن تسهم الحوسبة السعودية في تشغيل ذكاء آلات القرن الحادي والعشرين. ولا أرى أجمل من أن تصبح بلادنا قادرةً على أن تقول للعالم: كما أسهمنا في تزويد صناعاتكم بالطاقة، فإننا نشارك اليوم في بناء الذكاء الذي يرفع كفاءتها ويُوسّع إمكاناتها. ستكون السعودية، بإذن الله، مصدرًا عالميًا للذكاء الاصطناعي؛ لا بما تشتريه من التقنية فحسب، بل بما تبنيه من قدرةٍ على إنتاجها، وما تبتكره من تطبيقاتها، وما تصدّره من خدماتها إلى العالم. وما بين البرميل الذي يغادر موانئنا، والخدمة الذكية التي تعبر شبكاتنا، تتجلى صورةٌ جميلة لمستقبل الاقتصاد السعودي: أن تظل المملكة مصدرًا لما يحتاج إليه العالم، وأن تتسع ثروتها من موارد الأرض إلى ما تبدعه عقول أبنائها وبناتها. 🇸🇦
1
6
10
1,090
حين تتحوّل الحاجة إلى صناعة 🇸🇦💧 في بلادٍ لا تجري فيها أنهارٌ دائمة، وتقلّ في كثيرٍ من أرجائها الأمطار، يفتح ملايين الناس صنابير المياه كل صباح، دون أن يخطر ببال أحدهم ما وراء تلك القطرات من محطاتٍ ومضخات وأنابيب، أو ما بُذل في سبيل وصولها من علمٍ وهندسة واستثمار. ولعلنا من فرط اعتياد النعمة ننسى أن الماء الذي يصل إلى منازلنا لم يكن وصوله بهذه السهولة أمرًا تتيحه الطبيعة وحدها؛ بل أصبح ثمرةً لمنظومة عظيمة أنشأتها المملكة، واستثمرت في تطويرها على مدى عقود. وقد استوقفتني أخبارٌ عن تحولات تشهدها صناعة المياه السعودية، وجدتُ في الربط بينها معنى اقتصاديًا واستراتيجيًا أعمق مما توحي به عناوينها. فالمملكة التي واجهت ندرة المياه بالتوسع في تحلية البحر، تسعى اليوم إلى أن تصبح من الدول التي تصنع التقنيات اللازمة لتحليته، ثم تصدّر تلك التقنيات إلى العالم. تأملوا هذه المفارقة: أن يتحول التحدي الطبيعي الذي واجهناه طويلًا إلى سببٍ من أسباب بناء صناعةٍ ننافس بها الآخرين! ولكي نفهم أهمية هذا التحول، علينا أن نعرف شيئًا عن الطريقة التي يُستخرج بها الماء العذب من البحر. إحدى التقنيات المستخدمة تُسمّى «التناضح العكسي»، وفيها يُدفع ماء البحر تحت ضغطٍ عالٍ عبر أغشية دقيقة، تسمح بمرور الماء وتمنع معظم الأملاح والشوائب. والمشكلة أن هذه العملية تحتاج إلى قدرٍ كبير من الطاقة؛ وكلما ارتفع استهلاك الكهرباء، ازدادت تكلفة إنتاج المياه. لكن ماذا لو استطعنا استعادة جزءٍ من الطاقة المستخدمة بدلًا من فقدانها؟ هنا تبدأ الحكاية الصناعية. ففي يوليو الماضي، أعلنت الهيئة السعودية للمياه توطين صناعة أجهزة متخصصة في استعادة الطاقة بمحطات التحلية، عبر إنشاء مصنع لشركة «Energy Recovery» الأمريكية قرب الدمام، يُنتظر أن يبدأ إنتاجه في الربع الأول من عام 2027. وظيفة هذه الأجهزة، ببساطة، الاستفادة من الضغط المتبقي في المياه شديدة الملوحة الخارجة من عملية التحلية، ونقل جزءٍ من طاقته إلى المياه الداخلة، بما يقلل الطاقة الإضافية المطلوبة. ولنقرّب الصورة أكثر: تخيّل آلةً تستخدم قوةً كبيرة لأداء عملٍ معين، ثم تستطيع استعادة جزءٍ من تلك القوة واستخدامه مجددًا بدلًا من ضياعه. تلك هي الفكرة الأساسية، وإن كانت تفاصيلها الهندسية أكثر تعقيدًا. أما اللافت اقتصاديًا، فهو أن المصنع المستهدف يستطيع إنتاج ألفي جهاز سنويًا، في حين يُقدّر الطلب السعودي بنحو 1,200 جهاز، مع خطة لتصدير قرابة 40% من الإنتاج إلى أسواق الخليج وأفريقيا وآسيا. أي إننا لا نسعى إلى تأمين احتياجاتنا من هذه التقنية فحسب، بل إلى تحويل السوق السعودية نفسها إلى قاعدةٍ صناعية تخدم أسواقًا أخرى. وليس ذلك بمعزلٍ عن تقدم تقني شهدناه هذا العام. ففي أبريل، أعلنت الهيئة السعودية للمياه تحقيق محطة تحلية متنقلة في ينبع رقمًا قياسيًا عالميًا في انخفاض استهلاك الطاقة، بلغ 1.55 كيلوواط ساعة لإنتاج متر مكعب من المياه. ولمن لا يعرف دلالة الرقم، فإن تقليل الطاقة اللازمة لتحلية الكمية نفسها من الماء يعني إمكان خفض تكلفة التشغيل، وتقليل الأثر البيئي، وتحسين كفاءة الاستفادة من الموارد. صحيح أن النتيجة تخص محطةً بعينها، ولا يصح تعميمها على جميع محطات التحلية، لكنها تُظهر ما يمكن أن يبلغه التطوير الهندسي حين يصبح رفع الكفاءة هدفًا مستمرًا. وهنا لفت نظري سؤال آخر: ما الذي يجعل تجربة بلدٍ يعاني ندرة المياه ذات قيمةٍ اقتصادية لبلدانٍ أخرى؟ الجواب أن العالم لا يحتاج إلى الماء وحده، بل يحتاج إلى وسائل إنتاجه ونقله وحفظه وإعادة استخدامه. فالدولة التي تتعلم كيف تنتج الماء بكفاءةٍ أعلى، وتطوّر معدات إنتاجه، وتُتقن إدارة شبكاته، تستطيع أن تبيع للعالم خبرةً نشأت أصلًا من حاجتها المحلية. وهذا معنى مهم في بناء الاقتصاد المنتج. فقد تبدأ صناعةٌ لتلبية احتياجٍ داخلي، ثم تتطور حتى تصبح مصدرًا للدخل والتوظيف ونقل المعرفة وتوسيع الصادرات. وما أجمل أن يكون بعض ما نُصدّره إلى العالم غدًا تقنياتٍ تساعد شعوبًا أخرى على توفير الماء الذي احتجنا نحن إلى ابتكار وسائل إنتاجه! لكن المسألة لا تنتهي عند التحلية. فالأمن المائي الحقيقي لا يقوم على إنتاج المزيد من المياه وحده؛ بل على حسن إدارتها أيضًا، وتقليل ما يُهدر منها، وإعادة استخدام ما يمكن معالجته بأمان. وقد أعلن وزير البيئة والمياه والزراعة في أكتوبر أن نسبة إعادة استخدام المياه المعالجة تجاوزت 33% على المستوى الوطني. وتبدو الفكرة بسيطة: ليست كل استخدامات الماء بحاجة إلى مياهٍ جديدة عالية الجودة مخصصة للشرب؛ فبعض الأنشطة الصناعية والزراعية وأعمال الري يمكن أن تستفيد من مياهٍ معالجة وفق المعايير المناسبة، مما يخفف الضغط على المصادر الأخرى. ولا تزال أمامنا تحدياتٌ تتعلق باستنزاف المياه الجوفية، وتكلفة الطاقة، والآثار البيئية للتحلية، وكفاءة التوزيع والاستهلاك. ولهذا فإن النجاح لا يُقاس بعدد المحطات وحده، ولا بكمية المياه المنتجة فحسب؛ وإنما بقدرتنا على تأمين الماء بصورة موثوقة، وتخفيض تكلفته البيئية والاقتصادية، والمحافظة على موارده للأجيال القادمة. ومن هذه الزاوية، أرى أن ما يجري في قطاع المياه السعودي يحمل درسًا يتجاوز حدود هذه الصناعة. فليس كل تحدٍّ طبيعيٍّ قدرًا اقتصاديًا لا يمكن تجاوزه، وليس كل نقصٍ في الموارد حكمًا على الأمم بأن تبقى محتاجةً إلى غيرها. قد يدفع التحدي إلى البحث، ويقود البحث إلى الاختراع، وتتحول الاختراعات إلى مصانع، ثم تنشأ من المصانع خبراتٌ وفرص عمل وصادراتٌ جديدة. وهنا يكون النجاح مضاعفًا: أن نعالج المشكلة التي واجهتنا، ثم نمتلك من المعرفة ما يساعد غيرنا على معالجتها. لقد أنعم الله علينا بالبحار، ووهب أبناء هذا الوطن عقولًا وقدرات، وهيّأ لنا قيادةً جعلت بناء الإنسان والصناعة والمعرفة من أولويات التنمية. ولعل من أصدق صور شكر هذه النعم أن نحسن الانتفاع بها، وأن نبني من العلم ما يحفظ مواردنا ويزيد منافعها، دون إسرافٍ أو تبذير. أعود إلى تلك القطرة التي تصل إلى بيتٍ سعودي، فيشربها طفلٌ لا يعرف شيئًا عن مضخات التحلية أو تقنيات استعادة الطاقة. قد لا يعرف ذلك الطفل مقدار العلم الذي أوصل الماء إليه، لكنني أرجو أن يكبر في وطنٍ لا يكتفي بأن يؤمّن له الماء، بل يتيح له أن يكون يومًا من المهندسين والباحثين الذين يبتكرون وسائل إنتاجه. فمن أجمل ما تصنعه الأمم أن تُحوّل حاجتها إلى معرفة، ومعرفتها إلى صناعة، وصناعتها إلى منفعةٍ تتجاوز حدودها. وإذا كانت الطبيعة قد جعلت الماء العذب قليلًا في أرضنا، فإن الله قد فتح لنا من أبواب العلم والعمل ما نستطيع به أن نُحسن الانتفاع بما وهبنا. وليس أعظم ما في هذه الحكاية أننا تعلمنا كيف نستخرج الماء من البحر، بل أننا نعمل على أن نستخرج من هذه المعرفة مستقبلًا صناعيًا جديدًا. 🇸🇦
5
11
895
من هنا تبدأ الحكايات الجميلة 🇸🇦 وصلتني رسالة لطيفة من أحد القائمين على تطبيق سعودي اسمه «Things»، يدعوني فيها إلى التعرف على مشروعهم وتجربته. شدّتني المبادرة، فحمّلت التطبيق، وأحببت أن أشارككم قصته؛ لا لأنه بلغ الكمال، ولا لأنه ينافس المنصات العالمية في حجمها وانتشارها، وإنما لأن وراءه عقولًا سعودية قررت أن تنتقل من استخدام التقنية إلى المشاركة في صناعتها. تقوم فكرة «Things» على جمع الاهتمامات والتجارب في مساحة اجتماعية واحدة؛ تستطيع فيها مشاركة أفكارك، وكتبك المفضلة، والأماكن التي زرتها، والصور واللحظات التي تستحق أن تُروى، والتعرّف على أشخاص تجمعك بهم اهتمامات مشتركة. وقد يبدو إنشاء تطبيق اجتماعي أمرًا يسيرًا لمن اعتاد أن يجد التطبيقات جاهزةً بين يديه، لكن وراء كل مشروع من هذا النوع ساعاتٍ من البرمجة والتصميم، ومحاولاتٍ وتجارب، وأخطاءٍ تحتاج إلى إصلاح، وأفكارٍ لا تنضج إلا حين يختبرها الناس. وأظن أن أجمل ما نستطيع تقديمه لأصحاب هذه المبادرات ليس الثناء وحده؛ بل التجربة الصادقة، والملاحظة النافعة، والاقتراح الذي يساعدهم على التحسين. فالمستخدم الذي يكتشف خللًا ويبلّغ عنه، أو يقترح ميزةً يحتاج إليها، قد يسهم في تطوير المشروع أكثر ممن يكتفي بالإعجاب به من بعيد. وليس مطلوبًا أن نفضّل المنتج السعودي لمجرد أنه سعودي، ولا أن نتغاضى عن أوجه قصوره؛ وإنما أن نمنحه فرصةً عادلة ليُثبت جدارته، ونشجّع أصحابه على المنافسة بالجودة والإبداع. فكل مشروعٍ تقني كبير نراه اليوم كانت له يومًا نسخة أولى، وفريقٌ صغير، ومستخدمون أوائل آمنوا بأن الفكرة تستحق التجربة. إلى القائمين على «Things»: بارك الله جهودكم، وأعانكم على تطوير مشروعكم، وجعل فيه نفعًا لكم ولمن يستخدمه. وإلى أحبتي، يسعدني أن أمنح هذا المشروع السعودي مساحةً من الاهتمام، وأدعوكم إلى تجربته ومشاركة أصحابه آراءكم ومقترحاتكم؛ فلعلّ ملاحظةً من أحدكم تكون سببًا في تطوير ميزةٍ ينتفع بها الآلاف. فمن جميل الاعتزاز بالوطن أن نفرح بمنجزاته الكبرى، ومن تمام هذا الاعتزاز أن نمدّ يد التشجيع لأبنائه وهم يصنعون بداياتهم الصغيرة. 🇸🇦 رابط التطبيق على متجر آبل: apps.apple.com/sa/app/things…
4
9
27
1,605
السيادة لا تُشحن في صناديق 🇸🇦 قد تشتري دولةٌ أحدث طائرة في العالم، وتقتني منظومةً دفاعية تتفوق على كثيرٍ مما لدى خصومها، ثم تكتشف عند أول اختبارٍ طويل أن امتلاك السلاح لا يعني بالضرورة امتلاك جميع أسباب استمراره في العمل. فالمعدة العسكرية، مهما بلغت من التقدم، تحتاج إلى صيانة وقطع غيار، وبرمجياتٍ تُحدَّث، ومهندسين يفهمون أنظمتها، وفنيين يستطيعون معالجة أعطالها، ومصانع تُبقيها صالحةً للخدمة. ولنتصور أن قطعةً صغيرة تعطلت في منظومةٍ باهظة الثمن؛ فقد لا تكون المشكلة في ثمن القطعة، وإنما في الجهة التي تستطيع توفيرها، والمدة اللازمة لوصولها، والصلاحية التي تملكها الدولة لإصلاحها أو استبدالها. هنا يظهر فرقٌ جوهري بين امتلاك المعدة وامتلاك القدرة على إدامتها. وهذه زاويةٌ أرى أنها تستحق أن ننظر من خلالها إلى مشروع الشركة السعودية للصناعات العسكرية «SAMI»، إحدى شركات صندوق الاستثمارات العامة، التي تأسست عام 2017 لتكون ركيزةً في بناء صناعة دفاعية وطنية. فلو تأملنا ما أنجزته الشركة وما تعمل على تطويره، لوجدنا أن المسألة أكبر من إنشاء مصانع للسلاح، أو إضافة عبارة «صنع في السعودية» إلى المعدات العسكرية. خذوا مثلًا شركة «سامي السلام لصناعة الطيران»، التي تقدم خدمات صيانة الطائرات وإصلاحها وعمْرتها، إلى جانب أعمال التصنيع والتجميع. وقد تبدو الصيانة نشاطًا أقل إثارةً للاهتمام من صناعة طائرة جديدة، لكنها في الحساب العسكري من أشد الأعمال أهمية؛ لأن قيمة الطائرة لا تُقاس بقدرتها يوم تسلّمها فحسب، بل بقدرة القوات على المحافظة على جاهزيتها طوال سنوات خدمتها. والمهندس الذي يتعلم كيف يفحص منظومةً معقدة ويُعيدها إلى العمل، لا يكتسب مهارةً فنيةً وحسب؛ وإنما يختصر على وطنه وقتًا، ويُراكم معرفةً، ويسهم في تقليل اعتماده على الآخرين. ثم انظروا إلى «سامي للإلكترونيات المتقدمة». فخلف الطائرات والمدرعات والسفن عالمٌ لا تراه العين بسهولة؛ من أنظمة الرادار والاتصالات والقيادة والتحكم، إلى الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والحلول الرقمية. هذه التقنيات أشبه بالأعصاب التي تصل أجزاء المنظومة العسكرية بعضها ببعض، وتساعد الإنسان على فهم ما يجري حوله واتخاذ القرار المناسب. وحين تتطور قدراتنا المحلية في تصميم هذه الأنظمة ودمجها وصيانتها، فإننا لا نضيف صناعةً جديدة إلى اقتصادنا فحسب؛ بل نُعزز قدرتنا على فهم التقنيات التي نعتمد عليها والتحكم في استخدامها وتطويرها. أما في فبراير الماضي، فقد كشفت «سامي» عن برنامج عربات «هيت» المدرعة، الذي أعلنت تطويره بتصميم وملكية فكرية سعودية، ودشنت مجمعًا صناعيًا للأنظمة الأرضية، إلى جانب شركتين متخصصتين في الأنظمة البرية وغير المأهولة. ولماذا تلفتني مسألة الملكية الفكرية هنا؟ لأن تصنيع منتجٍ وفق تصميمٍ تملكه شركة أجنبية يختلف عن امتلاك تصميمه وحقوق تطويره. ففي الحالة الأولى قد تتقن الصناعة والتجميع، بينما تظل بعض قرارات التعديل والتطوير مرتبطةً بصاحب التقنية الأصلي. أما بناء ملكية فكرية وطنية، فيفتح مجالًا أوسع لتطوير المنتج وتكييفه مع الاحتياجات المحلية، وفق ما تمتلكه الشركة من حقوق وقدرات فعلية. ومع أن الكشف عن «هيت» لا يعني اكتمال اختباراتها أو دخولها الخدمة العسكرية، فإن الانتقال من المشاركة في التصنيع إلى تطوير التصميم الوطني يحمل معنى صناعيًا يستحق التوقف عنده. غير أن أكثر ما أثار اهتمامي في تحولات «سامي» قد لا يكون مدرعةً أو رادارًا أو طائرة. إنه برنامج «رُكن» الذي أُطلق لتطوير الموردين المحليين وتعزيز سلاسل الإمداد. ولنقرّب فكرته. المصنع العسكري لا يعمل منفردًا؛ فهو يحتاج إلى شركات تصنع المكونات، وأخرى تقدم الخدمات الهندسية، ومنشآت تتولى أعمال الفحص والصيانة، وموردين يوفرون المواد والمعدات والبرمجيات. كلما ازدادت قدرة المنشآت السعودية على أداء هذه الأدوار بكفاءة، اتسعت حول الصناعة الدفاعية شبكةٌ من الأعمال والخبرات والوظائف. وقد يبدأ أحد الموردين بصناعة جزءٍ صغير لمنظومة عسكرية، ثم تتطور قدراته حتى يستطيع خدمة قطاعات أخرى، مثل الطيران المدني والطاقة والمعدات الصناعية. وهنا تتجلى إحدى المزايا الاقتصادية التي لا تظهر دائمًا في عناوين أخبار التسليح. فالمشروع الدفاعي قد يتحول إلى مدرسةٍ للهندسة الدقيقة، ومصدرٍ للطلب على التقنيات المتقدمة، وسوقٍ تنمو حوله شركات وطنية، بما يتيح انتقال بعض الخبرات والقدرات إلى صناعات مدنية أخرى. ولعل هذا ما يجعل الرقم الذي أعلنته الهيئة العامة للصناعات العسكرية مؤخرًا ذا دلالة أوسع من قيمته الإحصائية. فقد ارتفعت نسبة توطين الإنفاق العسكري في المملكة من نحو 4% عام 2018 إلى 27.30% بنهاية عام 2025، في مسار يستهدف تجاوز 50% بحلول عام 2030. وهذه نتيجةٌ لجهود قطاعٍ وطني متكامل، تشارك فيه جهات حكومية وشركات محلية ودولية، وتأتي «سامي» في صميم منظومته الصناعية. ومع ذلك، فإن النسبة وحدها لا تكشف كل شيء. فقد يكون تصنيع مكوّنٍ معين سهلًا نسبيًا، بينما يتطلب امتلاك تقنيةٍ أكثر تعقيدًا سنواتٍ من البحث والتطوير والتأهيل والاختبار. لهذا أرى أن من أهم الأسئلة التي ينبغي أن ترافق ارتفاع نسبة التوطين: ماذا أصبحنا نستطيع أن نصنع؟ وما الذي أصبحنا قادرين على إصلاحه وتطويره؟ وكم معرفةً وتقنيةً وحقًا صناعيًا بات في أيدينا؟ وليس المقصود من بناء هذه القدرات أن تنقطع المملكة عن شركائها أو أن تصنع كل قطعةٍ تحتاج إليها بمعزل عن العالم؛ فالصناعات الدفاعية الكبرى تقوم أصلًا على شبكاتٍ واسعة من التعاون والتخصص. إنما الفارق أن تدخل الدولة تلك الشراكات وهي تزداد معرفةً بما تحتاج إليه، وقدرةً على الاختيار والتفاوض والتطوير، وأقل تعرضًا لتعطل الإمدادات حين تضطرب الظروف. وهنا يتجاوز الأمر مفهوم الصناعة إلى معنى أعمق في الاستراتيجية الوطنية. فالقوة لا تتحدد بما تمتلكه الدولة من معداتٍ في مستودعاتها وحدها، وإنما بما تملكه من عقولٍ تعرف كيف تُبقي تلك المعدات فاعلة، ومؤسساتٍ تستطيع تطويرها، واقتصادٍ قادرٍ على إمدادها بما تحتاج إليه. لقد أنعم الله على المملكة بما يتيح لها الاستثمار في أمنها ودفاعها، ووفّق قيادتها إلى جعل تنمية الصناعة العسكرية جزءًا من مشروعها الاقتصادي والوطني. وما يستحق الاعتزاز حقًا أن تتحول هذه الاستثمارات، مع الزمن، إلى معرفةٍ راسخة في عقول أبنائنا وبناتنا، وخبراتٍ تتوارثها الأجيال، ومؤسساتٍ تتقدم قدراتها عامًا بعد عام. فالسلاح الذي نشتريه اليوم قد يتقادم، والتقنية التي نتفوق بها قد تظهر بعدها تقنية أحدث، أما الأمة التي تتعلم كيف تصنع وتبتكر وتطور، فإنها تملك أسبابًا متجددة لمواكبة المستقبل. ولعلّ القيمة الاستراتيجية الأعمق لمشروع «سامي» ليست في عدد المعدات التي سيحملها الجيش السعودي وعليها شعار الصناعة الوطنية، وإنما في اتساع ما يستطيع العقل السعودي أن يصنعه ويُديمه ويطوره خلف ذلك الشعار. فليس أعظم ما تكسبه الدولة من الصناعة العسكرية أن تنتج سلاحها فحسب؛ بل أن تبني القدرة التي تجعل قرارها أكثر استقلالًا، وجاهزيتها أكثر استدامةً، وأمنها أقل ارتهانًا لتقلبات العالم. وتلك صناعةٌ لا نرجو أن تُختبر بالحرب، بل نرجو أن تكون من أسباب حفظ السلام؛ بما تبنيه للوطن من قوةٍ تُصان بها سيادته، وتُحمى بها أرضه ومصالحه وأهله. حفظ الله المملكة العربية السعودية، وبارك في عقول أبنائها، وأدام عليها الأمن والعز والرخاء. 🇸🇦
1
30
47
2,785
من الأرض إلى السماء.. لأجل الإنسان 🇸🇦 أظنّ أن في خبرٍ قرأتُه قبل أيام من جمال الفكرة وعمق الدلالة ما يفوق المساحة التي حظي بها في عناوين الأخبار. فقد أرسلت وكالة الفضاء السعودية، بالتعاون مع جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية «كاوست»، عينات من خلايا بشرية إلى محطة الفضاء الدولية، في مهمة علمية تستهدف المساهمة في فهم أمراض عصبية معقدة، من بينها ألزهايمر والتصلب اللويحي المتعدد. وقد يتساءل القارئ: وما علاقة الفضاء بعلاج أمراض تصيب الإنسان على الأرض؟ هنا تكمن روعة العلم. نحن نعيش تحت تأثير جاذبية الأرض منذ أن نولد، لكن الخلايا حين تُوضع في بيئة تكاد تنعدم فيها آثار الجاذبية، قد تتغير طريقة نموها وتفاعلها، وتظهر فيها بعض التحولات البيولوجية بصورة أسرع مما يحدث في المختبرات الأرضية. وهذا يمنح الباحثين فرصة لدراسة ظواهر قد يحتاج ظهورها إلى أوقات أطول في الظروف المعتادة، بما يساعدهم على فهم الأمراض واختبار فرضيات علمية جديدة. والأجمل في المشروع أن العلماء لم يبدأوا مباشرةً بخلايا المرضى، بل أرسلوا في المرحلة الأولى عينات مرجعية من متبرعين أصحاء. لماذا؟ لأن الباحث الذي يريد أن يفهم ما يفعله المرض بالخلية، يحتاج أولًا إلى معرفة كيف تتصرف الخلية السليمة في الظروف نفسها. وهذا من جمال المنهج العلمي؛ أن تسبق المقارنةُ الاستنتاج، وأن تسبق المعرفةُ الدقيقةُ محاولةَ العلاج. ثم تأتي المراحل اللاحقة لدراسة نماذج خلوية مرتبطة بالأمراض، وصولًا إلى بحث استجابتها المحتملة للعلاجات. ولا يعني ذلك أننا اكتشفنا علاجًا، أو أن الشفاء أصبح قريبًا بالضرورة؛ فالمشروع لا يزال في مراحله البحثية، والعلم لا يبلغ نتائجه بالأماني، وإنما بالتجربة والتحقق وتراكم المعرفة. لكن تأملوا المعنى الإنساني وراء هذه الرحلة. هناك في مكانٍ ما من العالم أبٌ بدأت ذاكرته تخونه، وأمٌّ تعجز عن استحضار تفاصيل كانت يومًا جزءًا من حياتها، ومريضٌ ينتظر أن يجد العلم سبيلًا إلى تخفيف معاناته. وفي مختبرات سعودية، يعمل باحثون على تجارب قد تضيف يومًا معرفةً تساعد العلماء على فهم بعض هذه الأمراض وتطوير وسائل التعامل معها. ومن الجميل أن ريانة برناوي، التي عرفناها أول رائدة فضاء سعودية، تشارك اليوم في هذا المسار بصفتها المشرفة على أبحاث الجاذبية الصغرى في وكالة الفضاء السعودية، وتواصل دراستها للدكتوراه في «كاوست». وهنا معنى آخر يستحق التوقف. فالرحلة الفضائية ليست غايتها أن يصل الإنسان إلى السماء ثم يعود حاملًا صورًا وذكريات فحسب، وإنما أن تصبح تلك الرحلة بدايةً لبناء معرفة ومختبرات وخبراتٍ وطنية تتواصل أعمالها بعد عودة المركبة وروادها. لقد ألفنا أن ننظر إلى الفضاء بوصفه ميدانًا لاستكشاف الكواكب والنجوم، لكنه قد يصبح أيضًا مختبرًا نبحث فيه عن إجابات لأسئلة طبية عجزنا حتى اليوم عن حلها على الأرض. وما أعظم أن تكون لبلادنا مساهمة في هذا المسعى الإنساني، وأن تتلاقى فيها طموحات الفضاء مع علوم الطب والأحياء، وأن يعمل الباحث السعودي مع نظرائه من أنحاء العالم على مسائل لا تعرف حدودًا ولا جنسيات. ولعلّ من أجمل ما يمكن أن نصنعه بالعلم، ألّا يكون بلوغ السماء غايةً في ذاته، بل أن نجعل مما نتعلمه هناك سببًا في تخفيف معاناة إنسانٍ يعيش بيننا هنا. فليس كل من ارتقى إلى الفضاء ذهب يبحث عما وراء الأرض؛ بعض الرحلات تصعد إلى السماء لتفهم الحياة التي تركناها تحتها. وما أجمل أن يكون للوطن سهمٌ في علمٍ قد يمتد نفعه إلى البشرية كلها. اللهم بارك في عقول أبنائنا وبناتنا، وانفع بعلمهم، واجعل ما نتعلمه ونبتكره سببًا في خير البلاد والعباد. 🇸🇦
7
21
1,268
حين تلتقي الطاقة بالذكاء 🇸🇦 قرأت اليوم خبر إعلان صندوق الاستثمارات العامة وأرامكو السعودية إتمام صفقة استحواذ أرامكو على 49% من شركة «هيوماين» للذكاء الاصطناعي، مقابل احتفاظ الصندوق بنسبة 51%، في خطوة تستهدف تسريع نمو الشركة وتوسيع حضورها عالميًا. ولفت انتباهي في هذا الخبر معنى اقتصادي أراه أعمق من مجرد انتقال حصص الملكية أو ضخ مليارات الريالات في شركة تقنية. ما الذي يجعل انضمام شركة نفط بحجم أرامكو إلى شركة متخصصة في الذكاء الاصطناعي خطوةً ذات أهمية تتجاوز الاستثمار المالي؟ وللإجابة، ينبغي أن نفهم أولًا أن العالم يتسابق اليوم إلى بناء أنظمة الذكاء الاصطناعي، وإنشاء مراكز البيانات، وامتلاك الحواسيب القادرة على معالجة كميات هائلة من المعلومات. ولمن يتسأل عن ماهية مراكز البيانات، فهي منشآت تضم أعدادًا كبيرة من الحواسيب والخوادم المتقدمة، وتوفر القدرة اللازمة لتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي وتدريبها، وإتاحة خدماتها للشركات والمؤسسات والأفراد. لكن امتلاك التقنية، مهما بلغت قوتها، لا يكفي وحده لصناعة اقتصاد منتج؛ إذ يبقى السؤال الأهم: ما المشكلات التي ستحلها هذه التقنية؟ ومن سيستفيد منها؟ وكيف يمكن تحويلها إلى منتجات وخدمات ذات قيمة اقتصادية؟ وهنا تظهر أهمية أرامكو. فعلى امتداد عقود، لم تكن الشركة تنتج النفط والغاز فحسب، بل بنت واحدةً من أضخم المنظومات الصناعية، وراكمت خبراتٍ هندسية وتقنية، وجمعت معلومات هائلة عن أعمال الاستكشاف والحفر والإنتاج والتكرير والتشغيل والصيانة. ولكي نقرّب الصورة، تخيّل مصنعًا تعمل فيه آلاف الأجهزة، ويحتاج مهندسوه إلى مراقبة أدائها باستمرار. قد يتسبب تعطل آلة واحدة في تعطيل جزء من الإنتاج، بما يترتب عليه من وقت وتكاليف. ماذا لو استطاع نظام ذكاء اصطناعي أن يحلل إشارات تلك الأجهزة، ويتعرف على المؤشرات المبكرة للأعطال، فيساعد المهندسين على إصلاحها قبل توقف الإنتاج؟ أو تخيّل آلاف البيانات الجيولوجية التي يجمعها المختصون عند البحث عن النفط، ثم يُستخدم الذكاء الاصطناعي لتحليلها ومساعدة الجيولوجيين على تحديد المواقع الواعدة بصورة أدق وأسرع. هذه ليست استخدامات متخيّلة بالكامل؛ فأرامكو لديها بالفعل تطبيقات للذكاء الاصطناعي في أعمالها الصناعية، وخبرات تراكمت من تطويرها وتشغيلها. ومن هنا تتضح قيمة دخولها شريكًا في «هيوماين». فالصندوق يمتلك قدرات استثمارية وشبكة واسعة من الشركات والمشروعات، وأرامكو تمتلك خبرة صناعية عميقة ومجالات حقيقية لتطبيق التقنية، فيما تعمل «هيوماين» على تطوير البنية الحاسوبية والنماذج والتطبيقات التي تقوم عليها صناعة الذكاء الاصطناعي. والأجمل أن هذه الشراكة لا تجمع المال بالمال، وإنما تسعى إلى جمع المعرفة الصناعية بالقدرة التقنية والاستثمارية. فقد تشمل مساهمة أرامكو نحو 9.9 مليارات ريال نقدًا خلال عام 2026، إلى جانب أصول تقنية ورقمية، بينما تستهدف «هيوماين» تطوير مراكز بيانات بقدرة تبلغ ثلاثة غيغاواط بحلول عام 2030. لكن ما الذي يجعل ذلك مهمًا لاقتصادنا؟ لنفرض أن شركة سعودية طوّرت نظامًا ذكيًا يساعد أرامكو على خفض استهلاك الطاقة في إحدى منشآتها، أو التنبؤ بأعطال المعدات، أو تحسين عمليات الإنتاج. إذا أثبت هذا النظام نجاحه، فقد يصبح منتجًا تستطيع الشركة تقديمه إلى مصانع أخرى داخل المملكة وخارجها. وهكذا لا تقتصر الفائدة على توفير التكاليف في منشأة واحدة؛ بل قد تنشأ صناعة جديدة حول التقنية نفسها، يعمل فيها مهندسون ومبرمجون وباحثون سعوديون، وتستفيد منها شركات محلية، وتُصدَّر حلولها إلى أسواق العالم. وهذا، في تقديري، من أعمق المعاني التي ينبغي أن نستحضرها عند الحديث عن اقتصاد الذكاء الاصطناعي. ولعل ما يميز هذه الشراكة أنها تجمع بين من يملك الخبرة في المشكلات الصناعية، ومن يملك القدرة على تمويل الحلول وتطويرها وتوسيع نطاق استخدامها. لقد عرف العالم السعودية لعقودٍ بما تختزنه أرضها من ثروات الطاقة، وما بلغته أرامكو من مكانة في صناعتها. واليوم تتسع أمام هذه الخبرة آفاقٌ جديدة، يمكن أن تتحول فيها المعرفة التي اكتسبناها من تشغيل أعقد المنشآت الصناعية إلى أساسٍ لتطوير منتجات وخدمات ذكية يحتاج إليها العالم. وهذه إحدى أجمل صور التحول الاقتصادي السعودي أن الشركة التي أسهمت في إمداد العالم بالطاقة اللازمة لتشغيل آلاته، تشارك اليوم في تطوير المعرفة والتقنيات التي تجعل تلك الآلات أقدر على الإنتاج والكفاءة. فالقيمة الكبرى ليست في امتلاك التقنية وحدها، وإنما في القدرة على فهم ما يحتاج إليه العالم، ثم ابتكار ما يلبي تلك الحاجة. وهنا تتجلى صورةٌ أعمق للثروة: أن ننتقل من تصدير الطاقة التي تُحرّك الصناعة، إلى المشاركة في تصدير المعرفة التي تزيدها ذكاءً وإنتاجًا. 🇸🇦
1
11
27
1,577
الصادرات التي لا تغادر المملكة 🇸🇦 قد تُصدّر المملكة إلى العالم بمئات المليارات، دون أن تغادر بعض تلك الصادرات حدودها، ودون أن تُحمّل في سفينة أو تُنقل عبر أنبوب أو تعبر منفذًا جمركيًا! كيف يحدث ذلك؟ حين يأتي زائرٌ من خارج المملكة إلى الرياض أو جدة أو العلا، ويقيم في فندق، ويتناول طعامه في مطعم، ويتنقل بين وجهاتها، فإنه يشتري خدماتٍ سعودية، ويُسهم إنفاقه في صادرات المملكة من الخدمات، وإن كانت الخدمة قد قُدّمت إليه على أرضها. وهذا أحد المعاني الاقتصادية الجميلة التي كشفت عنها بيانات الهيئة العامة للإحصاء المنشورة مؤخرًا. فخلال عام 2025، بلغت صادرات المملكة من الخدمات نحو 251.7 مليار ريال، بزيادة 6.9% عن العام السابق، وجاءت خدمات السفر في مقدمتها بنحو 159.9 مليار ريال. وهذا ليس تصنيفًا سعوديًا مستحدثًا، بل معيار دولي معتمد لدى صندوق النقد ومنظمة التجارة العالمية، وتُقاس به صادرات الخدمات في الاقتصادات الكبرى، بما فيها الولايات المتحدة ودول مجموعة العشرين. تأملوا هذا المعنى قليلًا. لقد اعتدنا أن ننظر إلى ثروات الوطن فيما يخرج من أرضه إلى أسواق العالم، لكن ثمة قيمة اقتصادية أخرى تتحقق حين يأتي العالم إلينا. فحين تستقبل المملكة ضيوف الرحمن، والزوّار والسياح ورجال الأعمال، لا يقتصر الأثر الاقتصادي على المنشأة التي تستضيفهم؛ بل يمتد إلى شركات النقل، والفنادق، والمطاعم، والأسواق، والخدمات التي يجدونها طوال إقامتهم. والمدينة التي تنجح في جذب الزائر ليست وحدها المستفيدة؛ فقد تتحول رحلته إلى دخلٍ لمئات المنشآت والعاملين، وتصبح جودة ما يلقاه من خدمات سببًا في عودته، أو في ترشيح الوجهة لغيره. غير أن اللافت في الأرقام أن صادراتنا الخدمية لا تقتصر على السفر؛ فقد بلغت صادرات خدمات النقل 35.4 مليار ريال، وسجلت خدمات الاتصالات والحاسب والمعلومات 9.3 مليارات ريال. وهنا يتسع المعنى؛ فكما يستطيع الوطن أن يصدر سلعةً صنعها، يستطيع أن يصدر خدمةً أتقن تقديمها، أو خبرةً هندسية، أو حلًا تقنيًا، أو معرفةً يحتاج إليها عميلٌ خارج حدوده. ولعل هذه إحدى الصور التي ينبغي أن نستحضرها حين نتحدث عن تنويع الاقتصاد السعودي. فليست المسألة أن نستبدل النفط بالسياحة، أو الصناعة بالخدمات؛ وإنما أن تتعدد قدرات المملكة على خلق القيمة، حتى يصبح لدينا من المنتجات والخدمات والخبرات ما يجد له طلبًا داخل البلاد وخارجها. فالمورد الطبيعي تستمد قيمته من حاجة العالم إليه، أما جودة الخدمة فتستمد قيمتها من قدرة الإنسان والمؤسسة على إتقانها، وكسب ثقة من ينتفع بها. ومن هنا تزداد أهمية الإنسان السعودي؛ فهو ليس مجرد مستفيدٍ من النمو الاقتصادي، بل أحد صُنّاعه، بما يتعلمه من مهارة، وما يؤسسه من مشروع، وما يقدمه من خدمة، وما يبتكره من حل. حيث إن اتساع مجالات التصدير يكشف كيف يمكن لقطاعاتٍ مختلفة أن تسهم في جلب الإيرادات إلى الاقتصاد الوطني. لقد أنعم الله على السعودية بأرضٍ غنية، وموقعٍ فريد، ومكانةٍ عظيمة؛ ومن جميل ما نشهده اليوم أن هذه المزايا تتسع منافعها حين تقترن بقدرة أبنائها على العمل والإنتاج والإبداع. كنا نعرف أن العالم يأتي إلينا ليشتري ما نستخرجه من الأرض. واليوم تتضح لنا صورة أخرى من صور الاقتصاد: أن يأتي العالم إلينا، فيجد فيما نقدمه من خدمات وتجارب ومعرفة قيمةً تستحق أن يدفع من أجلها. فتلك ثروةٌ لا تحتاج إلى أن تغادر الوطن حتى تبلغ العالم؛ بل قد يكون العالم هو الذي يقطع المسافات ليصل إليها.
3
22
54
21,540
حين يجيب الصدى ثمة مقطعٌ من «أنشودة المطر»، تلك الرائعة التي كتبها بدر شاكر السيّاب وشدا بها محمد عبده، لا يفارق خاطري كلما تأملت أحوال الخليج وما يمرّ به من أخطار. ينادي السيّاب الخليج، فلا يعود إليه من ندائه إلا الصدى، مثقلًا بما يشبه النشيج. كانت للشاعر غربته وأوجاعه، ولنا اليوم من هذه الصورة معنى آخر. فكم من مرة اجتمعت دول الخليج على أن أمنها واحد، وأن ما يمسّ إحداها يمسّ سائرها، ثم جاء الامتحان العملي ليكشف أن الاتفاق على الخطر أيسر من الاتفاق على مواجهته، وأن وحدة المصير لا تستلزم بالضرورة وحدة القرار. وليس في هذا إنكارٌ لمواقف الأشقاء، ولا انتقاصٌ مما تحقق من تعاون، وإنما هو تساؤل عن المسافة التي تفصل بين التضامن الذي تعلنه العواصم، والتكامل الذي تظهر آثاره حين تشتد الأزمات. فالسعودية، وهي تواجه تهديداتٍ تطاول أمنها ومنشآتها وممرات التجارة من حولها، لا تدافع عن مصالحها وحدها؛ إذ إن اضطراب أمن الخليج لا يقف عند حدود دولة، ولا تستثني تبعاته اقتصادًا لأن حكومته اختارت النأي بنفسها عن المواجهة. ولعل أعقد ما في السياسة الخليجية أن الأخطار قد تكون مشتركة، لكن تقديرها ليس واحدًا؛ وأن الدول قد تتفق على ضرورة دفعها، ثم تختلف على الوسيلة والكلفة والتوقيت. وهنا أصل إلى ما أراه جوهر المسألة. ليس الخليج في حاجةٍ إلى مزيدٍ من العبارات التي تؤكد وحدة مصيره، بقدر حاجته إلى بناء إرادةٍ استراتيجية تعرف كيف تحوّل تلك الوحدة من معنى جميل إلى قوةٍ قادرة على حماية نفسها. غير أن الإرادة الجماعية لا تستقيم إذا تفرّقت مراكز توجيهها، ولا تنضج الشراكات حين تتساوى فيها المسؤوليات على الورق، وتتفاوت أعباؤها تفاوتًا عظيمًا على الأرض. وليس من مقتضى العدل السياسي أن تتطابق أدوار الدول مع اختلاف أوزانها وقدراتها ومواقعها؛ فلكل بناءٍ عماد، ولكل منظومةٍ مركز ثقل، وعلى قدر ما تنهض به الدولة من مسؤولية ينبغي أن يكون أثرها في رسم الاتجاه. وهنا تأتي "المملكة العربية السعودية" بما لها من امتدادٍ جغرافي، وثقلٍ اقتصادي وسياسي، ومكانةٍ إسلامية، وما تتحمله من مسؤولياتٍ مباشرة عن استقرار الجزيرة العربية وأمنها. ومستقبل الخليج الأكثر تماسكًا لا يكون بتعدد البوصلات، وإنما بانتظامها حول رؤيةٍ استراتيجية تقودها الرياض، وتلتقي عندها مصالح الأشقاء، وتتوزع في ظلها الأدوار والالتزامات على قدر الإمكانات. فليست القيادة انتقاصًا من الشراكة، كما أن وحدة الاتجاه ليست إلغاءً لسيادة الدول؛ بل قد تكون أصدق صور التعاون أن تعرف كل دولة موضعها في بناءٍ أكبر، وأن تدرك أن القوة التي تجتمع حولها أقدر على حماية مصالحها من القوة التي تستنزفها المنافسة فيما بينها. وإذا كان الخليج يريد أن يتجاوز كونه مجموعة دولٍ يجمعها الجوار إلى قوةٍ إقليمية يُحسب لحسابها، فلا بد أن تتجاوز وحدته حدود التنسيق العابر، إلى مؤسساتٍ وقراراتٍ والتزاماتٍ تستمد فاعليتها من قيادةٍ واضحة، لا من مساوماتٍ تتجدد مع كل أزمة. والسعودية اليوم لا تنتظر أن يسكن البحر حتى تبدأ رحلتها؛ بل تُعِدّ المركب، وتجمع له أسباب القوة، وتوسّع شراكاتها، وتحصّن أمنها، وتبني من القدرات ما يعينها على مواجهة العواصف، سواءٌ أبحر معها الآخرون أم آثروا البقاء على الشاطئ. غير أن هذا المركب ليس دعوةً إلى أن يتخلى الأشقاء عن سيادتهم، وإنما إلى أن يجتمعوا على وجهةٍ تتكامل فيها قدراتهم، ويكون لكلٍّ منهم نصيبه من المسؤولية، وثمرته من الأمن والازدهار. فليس من الحكمة أن تظل كل دولةٍ تنشئ قاربها الصغير، ثم ننتظر من الأمواج إذا هاجت أن تفرّق بين رايةٍ وأخرى؛ فالخطر الذي لا يعترف بالحدود لا تدفعه الشعارات، وإنما ترده القوة المتماسكة والإرادة الواضحة. وما أجمل أن يبقى الخليج بحرًا تصل ضفافه بين أهله، لا مسافةً تتردد فيها النداءات! لقد آن لهذا الصدى أن يصير جوابًا، ولهذا الجوار أن يصير قوة، ولهذه المصالح المتفرقة أن تجد وجهتها الجامعة. فليس ما ينقص الخليج أن يتفق أهله على أنهم في سفينةٍ واحدة؛ وإنما أن يدركوا أن السفينة لا تبلغ مأمنها إذا تنازعت الأيدي على دفتها، وأن اجتماع الركاب لا يغني عن وحدة القيادة. وها هي الرياض تُعِدّ أسباب الرحلة، لا تنتظر من أحدٍ أن يمنحها الإذن بالإبحار، ولا تغلق بابها في وجه من أراد أن يشاطرها المسؤولية والمصير. فمن أراد أن يعبر عواصف هذا الإقليم إلى برّ الأمان، فالمركب يُهيّأ، والطريق يُرسم، والباب مفتوح لمن شاء أن يركب. أما البحر، فلا ينتظر طويلًا من يقضي عمره مترددًا بين الشاطئ والإبحار. وحينئذٍ، إذا نادت الرياض، فلن يعود إليها صوتها وحده؛ بل ستجد من الخليج موقفًا تتكامل فيه القوة مع المسؤولية، وتكون فيه وحدة المصير حقيقةً تصنعها الأفعال، لا نشيدًا تعيده الأصداء.
9
16
54,236
الثروة التي وراء النفط 🇸🇦 تخيّل أن تبحث عن النفط في باطن الأرض طوال تسعين عامًا، ثم تكتشف أن المعرفة التي اكتسبتها خلال هذه الرحلة قد تقودك إلى ثروات أخرى لم تكن تسعى إليها ابتداءً! هذه إحدى الأفكار الجميلة التي تستحق التأمل في التحولات الصناعية التي تشهدها المملكة. فمنذ بدايات صناعة النفط السعودية، لم تكن أرامكو تستخرج البترول وتبيعه فحسب، بل كانت تدرس طبقات الأرض، وتفحص الصخور، وتجمع المعلومات عن أعماقها وتكويناتها، وتطور وسائل الحفر والاستكشاف. ومع مرور العقود، أصبحت هذه المعلومات ثروةً بحد ذاتها؛ لأنها تساعد على معرفة ما قد تختزنه الأرض من موارد أخرى، وأين يمكن البحث عنها، وكيف يمكن الوصول إليها بتكلفة وجهد أقل. وهنا تبدأ الحكاية الجديدة. في أغسطس الماضي، اتفقت أرامكو مع شركة «معادن» على تأسيس مشروع مشترك للبحث عن النحاس ومعادن أخرى، مستفيدةً من المعلومات التي جمعتها أرامكو عبر عقودٍ من البحث عن النفط، ومن التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في تحليلها. ولكي ندرك أهمية ذلك، يكفي أن نتأمل النحاس الذي قد لا يلتفت كثيرون إلى عظيم دوره في حياتنا؛ فهو يدخل في صناعة الأسلاك الكهربائية والمحولات والمحركات وشبكات الطاقة، ويزداد الطلب عليه مع انتشار السيارات الكهربائية ومراكز البيانات والصناعات الحديثة. أي إن الخبرة التي اكتسبناها بحثًا عن مصدرٍ للطاقة، قد تساعدنا اليوم على اكتشاف معدنٍ تحتاج إليه صناعات الطاقة والتقنية في المستقبل. ولم تقف الفكرة عند هذا الحد. فقد اتجهت أرامكو إلى مشروع آخر لاستخلاص «الليثيوم» من المياه شديدة الملوحة المصاحبة لبعض عمليات إنتاج النفط. وما الليثيوم؟ هو أحد المعادن الأساسية المستخدمة في بطاريات الهواتف المحمولة والسيارات الكهربائية وأنظمة تخزين الكهرباء. تلك البطاريات التي نحملها في أيدينا، أو نعتمد عليها لتشغيل الأجهزة والمركبات، يدخل هذا المعدن في صناعتها. تأملوا جمال الفكرة! مياهٌ كانت تُعرف أساسًا بوصفها جزءًا من عمليات استخراج النفط، يجري العمل على تطوير تقنيات لاستخلاص معدنٍ ذي قيمة صناعية منها. ومعلوماتٌ جُمعت للبحث عن البترول، يُراد الاستفادة منها في استكشاف النحاس وغيره من المعادن. في الحالتين، لا نبدأ من الصفر؛ بل نبني على ما تعلمناه، ونستثمر الخبرات والمنشآت والتقنيات التي اكتسبناها خلال رحلة طويلة من العمل. وهنا يظهر معنى اقتصادي عظيم، أراه جديرًا بأن نتأمله. كثيرًا ما نسمع عن «تنويع الاقتصاد»، وربما يظن بعض الناس أن المقصود هو الابتعاد عن النفط والانتقال إلى صناعات أخرى لا صلة لها به. لكن التنويع قد يكون أعمق من ذلك بكثير. فليس المطلوب أن نتخلى عن صناعةٍ أبدعنا فيها، وإنما أن نستفيد مما منحتنا إياه من معرفة وقدرات وخبرات، لننشئ حولها صناعات جديدة، ونفتح بها أسواقًا أخرى، ونمنح أبناءنا فرصًا أوسع في الهندسة والتعدين والتقنية والتصنيع. ولنتصور ما الذي يمكن أن يحدث إذا أثبتت هذه المشروعات جدواها الاقتصادية ونجحت في التوسع؛ فلن تقتصر فائدتها على استخراج النحاس أو الليثيوم وبيعهما، بل قد تنشأ حولهما مصانع لمعالجة المعادن، وشركات للخدمات الهندسية، وأعمال في النقل والتصنيع، وفرص للباحثين والفنيين والمهندسين السعوديين. وهكذا تصبح الثروة الواحدة سببًا في نشوء ثرواتٍ أخرى، وتتحول المعرفة المكتسبة من صناعةٍ قائمة إلى أساسٍ لصناعات جديدة. صحيح أن هذه المشروعات لا تزال في مراحل التطوير والاستكشاف، وأن نجاحها التجاري لم يُحسم بعد؛ لكن قيمتها تكمن أيضًا في الفكرة التي تقوم عليها، وفي القدرة الوطنية التي تسعى إلى توظيفها. لقد أنعم الله على بلادنا بالنفط، فكان سببًا في نهضتها وعمرانها، ثم هيّأ لها من أبنائها ومن عملوا على أرضها أجيالًا من أصحاب المعرفة والخبرة. ولعلّ من أعظم ثمار النفط السعودي ألّا تقتصر على ما أخرجناه من باطن الأرض، بل أن تمتد إلى ما علّمنا استخراجه من علمٍ وخبرةٍ وقدرةٍ على الابتكار. فالمال الذي نجنيه من الثروة يمكن أن ينفد بإنفاقه، أما المعرفة التي نبنيها بفضلها، فقد تفتح لنا بابًا بعد باب، وتمنح الأجيال القادمة أسبابًا جديدة للرزق والإنتاج والازدهار. وهذا أحد أجمل معاني التنمية: أن تكون ثروة الأمس سبيلًا إلى صناعة ثروة الغد. 🇸🇦
3
46
108
10,633
الإجماع الخليجي.. معضلة القرار ثمة مفارقة في المشهد السياسي تستحق التأمل: لماذا تبدو السعودية قادرةً على توسيع شراكاتها، وفتح قنوات التفاهم مع قوى متباعدة المصالح، بينما يصبح الوصول إلى موقف خليجي أو عربي موحّد في بعض القضايا أكثر تعقيدًا، مع أن ما يجمع دول الخليج والعرب من الجوار والتاريخ والمصير أوسع مما يجمعها بكثير من شركائها الدوليين؟ لعلّ الإجابة تبدأ من التمييز بين اتفاق الدول على الغاية، واتفاقها على الوسيلة التي تبلغ بها تلك الغاية. فقد تتفق ست دول على أن أمن الخليج لا يتجزأ، وأن الاعتداء على إحداها يهدد سائرها، وأن استقرار اليمن والسودان مصلحة مشتركة. غير أن الاتفاق يبدأ بالاختبار الحقيقي حين ينتقل من العبارة السياسية إلى القرار الذي تترتب عليه كلفة والتزامات. من يتحمل أعباء المواجهة؟ ومن يشارك في تبعاتها؟ وأيُّ تصورٍ لمستقبل الدولة في اليمن أو السودان ينبغي أن يكون أساسًا للتحرك؟ وإلى أي حد يمكن أن تتوافق علاقات الدول المختلفة مع إيران والولايات المتحدة وسائر القوى على مقتضيات أمنٍ إقليمي مشترك؟ هنا لا تعود المسألة مجرد إرادةٍ للتوافق؛ وإنما تصبح موازنةً بين مصالح وطنية وحسابات أمنية واقتصادية، قد تتلاقى في بعض مواضعها وتتباعد في أخرى. والأهم أن الدولة التي تشترك مع جيرانها في التحديات، قد تنافس بعضهم في التجارة والاستثمار والموانئ والمكانة الاقتصادية. وليس في المنافسة بذاتها ما يناقض الأخوّة أو التعاون، لكنها تضيف إلى حسابات السياسة طبقةً لا ينبغي إغفالها. ولعلّ هذا يفسر جانبًا من اختلاف المشهدين: ففي التفاهم الثنائي تستطيع دولتان تحديد مصالحهما والتزاماتهما مباشرةً، أما القرار الجماعي فيقتضي المواءمة بين إرادات سيادية متعددة، لكلٍّ منها تقديرها للمخاطر وحدود ما تستطيع تحمّله. وليس مجلس التعاون عاجزًا عن الإجماع كما قد يتبادر؛ فقد أعلن في أكتوبر تضامنه الكامل مع المملكة في مواجهة الاعتداءات الحوثية، وله منجزات اقتصادية وأمنية ممتدة. غير أن التضامن السياسي، على أهميته، لا يساوي بالضرورة وحدة القرار العملياتي أو تطابق السياسات الخارجية. ومن المثير أن السعودية نفسها لم تحصر تحركاتها في العمل الفردي؛ فقد رأيناها توسّع مشاوراتها مع مصر وتركيا وباكستان، ثم تشارك في حوار يجمع هذه الدول بألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا. وهي صيغٌ تتشكل حول ملفات محددة ومصالح متقاطعة، دون اشتراط اتفاق جميع الأطراف على كل قضايا المنطقة. وهنا تظهر المسألة الأعمق. قد لا يكون التحدي الحقيقي في جمع الدول حول طاولة واحدة؛ فالقمم والمؤتمرات قادرة على ذلك. وإنما في تحويل المصير المشترك من حقيقةٍ تقرّ بها الدول إلى التزاماتٍ تتقاسم أعباءها، ومؤسساتٍ تستطيع العمل حتى حين تختلف تقديرات العواصم. إن السعودية، بحكم موقعها وحجم اقتصادها وامتداد مصالحها، تتأثر مباشرةً بكثير من أزمات الجوار، لكن ذلك لا يعني أن كل دولة خليجية أو عربية ترى الخطر بالدرجة نفسها، أو تستعجل مواجهته بالوسيلة ذاتها. ولهذا فإن سرعة التحرك السعودي خارج الأطر الجماعية لا تعني بالضرورة ضعف تلك الأطر، كما أن بطء الإجماع لا يدل وحده على غياب الإرادة. فقد يكون الفارق في طبيعة القرار، وعدد أطرافه، وحجم الالتزامات التي يفرضها. والسؤال ليس: لماذا يصعب على السعودية جمع الموقف الخليجي والعربي؟ بل: لماذا يسهل علينا الاتفاق على أن مصيرنا واحد، ويصعب أحيانًا الاتفاق على مقدار ما ينبغي لكلٍّ منا أن يبذله لحماية ذلك المصير؟ فبين الإجماع على الخطر والإجماع على تحمّل كلفته، تكمن إحدى أعقد مسائل السياسة الإقليمية.
10
12
38
6,279
نِعَمٌ ألفناها حتى نسينا عِظَمها من أعظم نعم الله علينا تلك التي نعيشها كل يوم، حتى ألِفناها، وكدنا من فرط اعتيادها ننسى أنها من أجلّ عطاياه. نستيقظ آمنين في بيوتنا، ونخرج إلى حيث نشاء، ونسير في طرقاتنا مطمئنين، ونأكل مما نشتهي، ونعود إلى أهلينا لا يشغلنا خوفٌ على أنفسنا، ولا يُكدّر سكينتنا صوتُ حربٍ أو فزع. نختلف في اختيار طعامنا، وفي وجهة نزهتنا، وفيما نشتري وما نترك، وفي جوارنا من لا يجد ما يسدّ جوعه، ومن يودّ لو أمسى في بيته آمنًا، ولو لم يجد فيه إلا كسرة خبز. وما أعظم الفرق بين إنسانٍ يفكر فيما يشتهي، وآخر يفكر فيما يُبقيه حيًّا! قال رسول الله ﷺ: «مَن أصبح منكم آمنًا في سِربه، معافًى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حِيزت له الدنيا». تأملوا هذا الميزان النبوي العظيم؛ أمنٌ وعافيةٌ وقوتُ يوم، فكأنما اجتمعت لصاحبها الدنيا بأسرها. فكيف بنا وقد أنعم الله علينا بما هو أوسع من ذلك وأعظم؟ نحمد الله أن جعل لنا وطنًا آمنًا، تقوم فيه دولةٌ ومؤسسات، وتُصان فيه الحقوق، ويجتهد في حفظ أمنه ورعاية مصالح أهله رجالٌ ونساءٌ نرى آثار أعمالهم في تفاصيل حياتنا، حتى بات كثيرٌ مما تتمناه شعوبٌ غيرنا أمرًا مألوفًا في يومنا. وليس في هذا اغترارٌ بما نحن فيه، ولا ادعاءٌ بأن الحياة خلت من همومها؛ وإنما هو اعترافٌ بفضل الله، وإنصافٌ لنعمةٍ عظيمة، وشكرٌ لمن جعلهم الله أسبابًا في حفظها. وإن من تمام شكر النعمة ألّا يُنسينا الرخاءُ المحتاج، ولا يُذهلنا الأمنُ عن الخائف، ولا تجعلنا سعةُ العيش غافلين عمّن ضاقت بهم السبل. فالشكر ليس كلمةً تجري على اللسان فحسب؛ بل إحسانٌ إلى الناس، وحفظٌ للحقوق، واستعمالٌ لنعم الله فيما يرضيه. قال تعالى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾. اللهم لك الحمد على الإسلام، ولك الحمد على الأمن والأمان، ولك الحمد على ما رزقتنا من العافية وسعة العيش، ولك الحمد على وطنٍ نأوي إليه مطمئنين، وقيادةٍ تسعى في حفظه وعمرانه. اللهم احفظ المملكة العربية السعودية، وأدم عليها أمنها وعزّها ورخاءها، وأصلح أحوال المسلمين، وأطعم جائعهم، وآمن خائفهم، واشفِ مريضهم، وارحم مبتلاهم. اللهم لا تجعل اعتيادنا لنعمك يُنسينا شكرها، ولا تُعرّفنا قدر ما أنعمت به علينا بفقده، واجعلنا من عبادك الشاكرين. الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. 🇸🇦
3
45
82
2,979
حين تنتصر الدولة للإنسان من الأخبار التي تستحق أن نتأمل معانيها، لا أن نكتفي بقراءة عناوينها، ما شهدته المملكة خلال اليومين الماضيين من تطورات تشريعية تمس حياة الناس وحقوقهم. فنظام التنفيذ الجديد يعزز استيفاء الحقوق المالية، مع صيانة الضمانات النظامية ومراعاة الأحوال الإنسانية والاجتماعية للمدين وأسرته. وفي التعليم، جاءت لائحة جديدة تمنع المدارس الخاصة من حجب نتائج الطلاب أو حرمانهم من خدماتهم التعليمية بسبب خلافات مالية مع أولياء أمورهم. وقد يبدو الأمران متباعدين، غير أن بينهما معنى عظيمًا: أن يكون للحقوق سلطانها، وللإنسان كرامته؛ فلا يُضيّع التسامح حقَّ صاحبه، ولا تتجاوز المطالبة بالحق حدود العدل. وأجمل ما نشهده في التحول السعودي أن بناء الدولة الحديثة لا يجري في المصانع والمطارات والمدن الكبرى وحدها، وإنما يمتد إلى تفاصيل الحياة التي قد لا تستوقف العناوين؛ إلى أسرةٍ تُصان حقوقها، وطفلٍ لا يُؤاخذ بما ليس من مسؤوليته، ومتعاملٍ يطمئن إلى أن حقه تحميه مؤسسات الدولة. فالتقدم الذي نعتز به ليس ما تشهده الأبصار من عمرانٍ فحسب، بل ما يلمسه الإنسان من عدلٍ وطمأنينة، وما يجده في النظام من ضمانٍ لحقوقه وصونٍ لكرامته. وهكذا يكتمل معنى البناء؛ أن تشيد الدولة ما يُعظّم قوتها، وتسنّ من العدل ما يجعل تلك القوة في خدمة الإنسان.
7
25
1,397
إيران وحلف مكة.. امتحان الثقة هل يمكن أن نرى إيران يومًا عضوًا في حلف مكة للدفاع المشترك، إلى جانب السعودية وباكستان وتركيا؟ لم يعد السؤال ضربًا من الخيال السياسي؛ فقد أكد المتحدث باسم الجيش الباكستاني أن الاتفاق لا يمنع انضمام أعضاء جدد، بمن فيهم إيران، وأن الأمر متروك لقرار القيادات السياسية للدول المؤسسة. غير أن الطريق من طهران إلى مكة لا يُقاس بالمسافات، وإنما بما تراكم بين العاصمتين من أحداث، وما ينبغي تجاوزه من أسباب الريبة وانعدام الثقة. فكيف يُتصوّر أن تقبل السعودية التزامًا بالدفاع عن إيران، وقد تعرضت أراضيها ومنشآتها ومدنها لاعتداءات إيرانية، وعانت سنواتٍ من تهديدات جماعات مسلحة مرتبطة بطهران؟ ولعلّ أكثر الوقائع دلالةً أن المملكة أكدت مطلع هذا العام أنها لن تسمح باستخدام أراضيها أو أجوائها للاعتداء على إيران، ثم تعرضت رغم ذلك لهجمات إيرانية مباشرة. فأيُّ ضمانٍ تستطيع طهران تقديمه اليوم، وقد أخفقت بالأمس. وهنا ينبغي التفريق بين أمرين: أن تسعى السعودية إلى تجنيب المنطقة حربًا جديدة، وأن تمنح دولةً أخرى ضمانةً عسكرية تجعل الاعتداء عليها اعتداءً على المملكة نفسها. الأول تقتضيه المصالح والحكمة، أما الثاني فيحتاج إلى ثقةٍ راسخة والتزاماتٍ لا تحتمل الغموض. ولذلك فإن السؤال الأجدر هل تستطيع إيران أن تنتقل من سياسة النفوذ عبر الجماعات المسلحة إلى علاقاتٍ تحترم سيادة الدول ومؤسساتها وحدودها؟ وهل تقبل وقف إسناد الميليشيات والهجمات العابرة للحدود، وإخضاع الالتزامات الأمنية لآليات تحقق واضحة، وضمان سلامة الملاحة، ومعالجة ملفات الصواريخ والمسيّرات والبرنامج النووي، وتحمل مسؤولياتها عن الأضرار التي ثبت تسببها فيها؟ ليس المقصود أن تتخلى إيران عن حقها في الدفاع عن نفسها، وإنما أن تقبل بالقاعدة ذاتها التي تريد أن يحميها الحلف بموجبها: أمنك لا يكون على حساب أمن جارك، وسيادتك لا تمنحك حق العبث بسيادة غيرك. وقد تكون البداية الأجدى اتفاقًا إقليميًا لعدم الاعتداء، تتبعه إجراءات لبناء الثقة، وتُختبر نتائجه في الواقع قبل الانتقال إلى التزامات الدفاع المشترك. وللسعودية أن تمد يدها للسلام دون أن تنسى ما أصابها، وأن تفتح أبواب التفاهم دون أن تفرّط في ضمانات أمنها. فالمصالحة لا تقتضي محو الذاكرة، وحسن الجوار لا يُثبت بحسن العبارات، وإنما باستقامة الأفعال. ولعل المفارقة الكبرى أن انضمام إيران إلى الحلف، إن أصبح ممكنًا يومًا، لن يكون أهم من التحول الذي ينبغي أن يسبقه؛ أن تنتقل المنطقة من استخدام الجماعات المسلحة وسيلةً للنفوذ، إلى سيادة الدول ومؤسساتها أساسًا للأمن. فليس أعظم إنجازٍ لحلف مكة أن تتسع عضويته حتى تضمّ من خُشي اعتداؤه، وإنما أن تتغير الأسباب التي جعلت قيام الحلف ضرورةً من الأساس. وحينئذٍ لن يكون السؤال: لماذا تقبل السعودية بانضمام إيران؟ بل: ما الذي تغيّر في سلوك إيران حتى أصبح قبولها ممكنًا؟
6
19
1,387
أبعد من الصورة في أتلانتا، حالت الخلافات السياسية دون أن يقف وزراء خارجية أكبر اقتصادات العالم في صورةٍ جماعية، وإن جمعتهم قاعةٌ واحدة. ولعل في ذلك ما يختصر مفارقة عصرنا: عالمٌ تتباعد مواقفه، وتزداد حاجته إلى بعضه كلما اشتدت خصوماته. وفي قلب هذا المشهد، تتحرك الدبلوماسية السعودية على مسارات متوازية؛ مباحثات مع واشنطن تُوِّجت بتوقيع عقد مشاركتها في إكسبو الرياض 2030، وحوار مع موسكو بشأن أمن المنطقة والملاحة، ولقاءات مع الاتحاد الأوروبي وكندا. وقبلها بأسبوع، شاركت المملكة في اجتماع إسطنبول الذي جمع أربع قوى إقليمية بأربع دول أوروبية لبحث أزمات المنطقة وأمن الممرات البحرية. والخيط الذي يصل هذه التحركات أعمق من مجرد تعدد اللقاءات. فحين يُهدَّد مضيق هرمز أو باب المندب، لا تنحصر العواقب في الدول المطلة عليهما؛ بل تمتد إلى أسعار الطاقة والغذاء، وتكاليف الشحن، وسلاسل الإنتاج في قاراتٍ بعيدة. وهكذا يصبح أمن المنطقة مصلحةً عالمية، لا شأنًا إقليميًا يمكن للآخرين اعتزال تبعاته. وهنا تتضح قيمة الدبلوماسية التي تجمع بين صيانة المصالح الوطنية، وبناء الشراكات، وفتح قنوات الحوار؛ فلا تجعل التعاون مرادفًا للتبعية، ولا الاختلاف السياسي قطيعةً لكل مصلحة مشتركة. إن العالم لا يحتاج إلى مزيدٍ من الصور التي تُخفي خلافاته، بقدر حاجته إلى تفاهماتٍ تمنع تلك الخلافات من أن تتحول إلى أزماتٍ يدفع ثمنها الجميع. ولعل أبلغ صور النفوذ في هذا الزمن ألّا تجمع الدول في إطار صورة، وإنما أن توسّع بينها مساحة المصالح التي تستحق أن تجتمع من أجلها.
1
14
19
1,697
تعز.. بابٌ عظيم للأجر في تعز، هناك أمهاتٌ يشغلهنّ كيف يُطعمن صغارهن، وأسرٌ أثقلتها الحاجة، ومرضى ينتظرون دواءً، وأطفالٌ أصبح الحصول على الماء والغذاء من هموم أيامهم. هؤلاء أشقاؤنا، ولهم في أعناقنا حقُّ الأخوّة، وفي أموالنا بابٌ من أبواب الإحسان. يا أهل الخير، قد لا نشعر نحن بقيمة ما نتصدق به، ولكنه قد يكون عند محتاجٍ طعامَ يومه، أو دواءَ مرضه، أو ماءً يروي ظمأه. وقد قال رسول الله ﷺ: «ما نقصت صدقةٌ من مال». أمامنا اليوم حملةٌ مباركة عبر منصة «ساهم» التابعة لمركز الملك سلمان للإغاثة، لإغاثة أشقائنا في تعز وتوفير احتياجاتهم الأساسية. فلا تستصغروا قليلًا تبذلونه، ولا تؤخّروا خيرًا تقدرون عليه. تصدّقوا بما تيسّر، وانشروا الحملة؛ فلعلّ من يراها بسببكم يكون سببًا في تفريج كربة أسرة. وفي تعز أناسٌ لا يعرفون أسماءنا، ولكن الله يعلم ما نقدّمه لهم. اللهم اجعل لنا من أوجاعهم فرجًا، ومن حاجتهم نصيبًا من العون، وتقبّل من كل من أحسن إليهم. 🇸🇦🇾🇪 الاستجابة الإنسانية العاجلة لإغاثة الأشقاء في تعز - منصة ساه… sahem.ksrelief.org/ar/Pages/…
6
45
93
3,791
ما وراء الرقائق بينما يتسابق العالم إلى امتلاك أذكى الخوارزميات وأسرع الرقائق، تتشكّل خلف هذا السباق معادلةٌ لا تقل عنه أهمية: من يملك القدرة على توليد الكهرباء وتخزينها وإيصالها بكفاءة، يملك أحد مفاتيح الاقتصاد الذي ستقوم عليه تلك الخوارزميات. ومن هنا يستحق خبر «أكوا» السعودية قراءةً تتجاوز عنوانه؛ فالشركة تتجه، بالشراكة مع مؤسسة أمريكية، إلى تأسيس منصة تستهدف استثمارات بنحو أربعة مليارات دولار في قطاع الكهرباء بالولايات المتحدة، حيث يتصاعد الطلب على الطاقة مع اتساع مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي. وفي الداخل، تكشف الطلبات المتقدمة على صناعة المحولات الكهربائية، والتوسع في البنية الحاسوبية والبحثية، عن حلقات أخرى في هذه المعادلة؛ فليس بناء الاقتصاد الرقمي شأنًا يخص شركات التقنية وحدها، وإنما هو عمل تتساند فيه صناعة الطاقة والهندسة والحوسبة والتمويل. وهنا تتجلى فرصة اقتصادية جديرة بالتأمل: أن تتجاوز الخبرة السعودية حدود تصدير موارد الطاقة، إلى المشاركة في إنشاء المنشآت التي تنتجها، والشبكات التي تنقلها، والمنظومات التي تحفظ استقرارها، حتى في أكبر الأسواق الصناعية في العالم. غير أن قيمة هذه الفرصة لا تُقاس بضخامة الاتفاقات، وإنما بما يتحقق منها من مشروعات رابحة، ومعرفة متوطنة، وصناعات قادرة على المنافسة، وإمدادات موثوقة تحتمل اضطراب الأسواق. لقد كان امتلاك مصادر الطاقة أحد أعظم أسباب القوة الاقتصادية في القرن الماضي، وقد يصبح إتقان تحويلها إلى كهرباء موثوقة وتوظيفها في الإنتاج والمعرفة من أهم أسباب القوة في العقود المقبلة. وفي عالمٍ يتباهى بذكاء الآلات، قد تكون الميزة الأعمق لمن يستطيع أن يُبقي ذلك الذكاء عاملًا، حين تعجز عنه سائر الآلات.
9
28
1,775
أصدق الوفاء للقبيلة أن يكون عزُّها من عزِّ الوطن أحسن عبدالعزيز الجبر التنبيه؛ فقبائلنا مفاخرُ نسبٍ ومآثر، والمملكة صرحُ عزٍّ تتآزر فيه أمجادها. وما كان الاعتزاز بالقبيلة يومًا ذريعةً للانتقاص من غيرها، ولا حميّة الأجداد وقودًا لفتنةٍ يشعلها مجهول. فمن صدق اعتزازه بقبيلته، جعل عزّها من عزّ وطنه؛ إذ لا شرفَ في مجدٍ يُبنى على فرقة الإخوة، ولا رفعةَ لنسبٍ تُنتقص بها وحدة البلاد.
احذروا من المرحلة القادمة في حملات تشويه ممنهجة للمجتمع السعودي وإثارة الفتن بين أبنائه. قد نشهد بروز حسابات تنتحل الانتماء لقبائل معينة، وتتعمد الإساءة إلى قبائل أخرى، بهدف تأجيج العصبية القبلية وضرب النسيج الاجتماعي. تذكّروا أننا أبناء عمومة، يجمعنا النسب والتاريخ والوطن، ونعتز بانتسابنا لجدّنا إسماعيل عليه السلام. لا تسمحوا لأحد أن يجعل من قبائلكم أداةً للفرقة بينكم.
1
15
59
2,684
There is something deeply moving about seeing someone speak of your homeland with the affection of one of its own. Saudi Arabia is blessed not only by what it possesses, but by the place it holds in hearts far beyond its borders. Your words are a beautiful reminder that some bonds are neither written in treaties nor measured in trade. They are simply carried in the heart. May Saudi Arabia always be worthy of such friendship, and may you always find a friend in its people. 🇸🇦❤️
If Saudi Arabia falls, the entire region—and the world—will plunge into darkness, economically & spiritually.
22
86
2,980
أستاذ عبدالرحمن، لعل ما فاتك في تفسير غضب السعوديين عليك أنهم لم يعترضوا على دعوتك إلى التثبت، ولا على تحذيرك من الحسابات المنتحلة والحملات المضللة؛ فهذه أمور لا يختلف عليها عاقلان. وإنما كان اعتراضهم على ما بدا من حديثك في «سقراط» من تحميل المغرد السعودي تبعات توتر العلاقات مع بعض الدول الشقيقة، وكأن الحكاية بدأت حين ردّ السعودي، لا حين وقعت الإساءة إلى بلاده. لقد وجد كثيرون في حديثك عتبًا شديدًا على من يتصدون للإساءات، دون أن يجدوا بالقدر نفسه مساءلةً لمن أشعلها ابتداءً، سواء أكان صاحب منبر إعلامي، أم شخصية عامة، أم حسابًا يتعمد التحريض على المملكة وقيادتها وشعبها. وزاد من حدة الاستياء أن ذلك جاء في سياق حديثك عن قدرات الحوثيين وأداء قناة الجزيرة؛ فاجتماع هذه المواقف في مقابلة واحدة ترك لدى بعض المتابعين انطباعًا بأنك كنت أشد نقدًا للمدافع السعودي من بعض الجهات التي يخاصمها. ولا يعني هذا أننا ننكر ما في الساحة من تجاوزات، أو نزعم أن كل من رفع راية الوطن أحسن الدفاع عنه. ففيها المخلص والمندفع، وفيها من ينتحل هويتنا ليعبث باسمنا. لكن الإنصاف يقتضي ألّا يُجمع هؤلاء في حكم واحد، وألّا يُحمّل المواطن تبعات خلافات سياسية وإعلامية أوسع من تغريدته. ثم إن العلاقات بين الدول أعمق من أن تُختزل في سجال على منصة، كما أن الغيرة الوطنية أكرم من أن تُختزل في فوضى إلكترونية. والمطلوب تهذيب الخطاب لا إخماد الصوت، وتمييز الصادق من المنتحل، لا أن تصبح الدعوة إلى ضبط الردود عذرًا لتجاهل أسبابها. أما توضيحك اليوم فنقدّره، ونحسب لك حرصك على أن يكون الدفاع عن الوطن قائمًا على الوعي والتثبت. غير أن من الإنصاف أيضًا أن تدرك لماذا غضب الناس؛ فقد رأوا في كلامك ما خشوا أن يُفهم منه انتقاصٌ من مواقفهم، وهم الذين لم يجدوا لأنفسهم باعثًا على الكتابة أعظم من محبتهم لبلادهم. وما أحوجنا إلى أن تجتمع خبرة أمثالك وحكمة الكلمة مع غيرة هؤلاء وحماستهم؛ فلا يُجعل اختلاف الوسيلة خصومةً بين أبناء الوطن، ولا يُطلب من أحدهم أن يصمت عن الإساءة، وإنما أن يرد عليها بما يليق بوطنه، صدقًا وحجةً وأدبًا وقوة.
"مصدوم" "مع الحوثي" "ضد المغرّد السعودي" "يناصر الجزيرة" هذه جزء من بعض الاعتراضات على ما ورد في مقابلتي في "سقراط" مع أخي الأستاذ عمر الجريسي. وربما حان الوقت لنقاش الأفكار التي أردت إيصالها ان لم يكن اليوم، ففي الأيام التالية بشكل موسع. دفاع المغرّدين الوطنيين عن بلدنا، ومواجهة خصومه في وقت تتعاظم فيه التحديات، لاشك انه غاية نبيلة، وطاقة وطنية، وقد أثبتت الظروف والأزمان بأنهم حصن منيع تجاه الحملات الاعلامية التي تستهدف وطننا الغالي، ونكتشف حقيقة الذين يتلبسون لباس مغردينا وكنا نراهم خلال الأشهر الماضية، في هذه الساحة، ينتحلون اسماء وصور وشعارات سعودية، ويستخدمون وسائل مثل الـVPN لإخفاء موقع اتصالها الحقيقي وإظهار موقعها السعودية. اختراق الساحة الإعلامية السعودية هو جزء من الصراع الدائر، الذي يسوق روايات كاذبة، ويثير حساسيات داخلية، ويشعل معارك خارجية، بهدف تشويه صورة المملكة وأهلها، تسعى لتأليب الرأي العام السعودي والعربي والإسلامي، والخطر يتضاعف عندما يتلقف مغرّد صادق النية رواية مضللة، ثم ينشرها فيمنحها ثقته وجمهوره وهي التي لم تكن تملكه. لمواجهة هذا الاختراق نحتاج إلى توعية مستمرة، والتثبت قبل إعادة النشر، ورصد الحسابات المنتحلة. بالتأكيد، المغرّدون السعوديون 🇸🇦 قوة ضرورية وركن من أركان التصدي للعدو وتعزيز اللحمة الوطنية، لقد شوّشت الدعاية المعادية الحقائق على الملايين من الناس في المنطقة، وتواصل محاولاتها لتأليبهم على المملكة واليمن ودول الخليج. لهذا، علينا ان نبقى متحدين 🇸🇦
10
43
177
13,240
You are right that the Gulf must take greater responsibility for its own security. But an important part of that transformation is already taking shape in Riyadh. Saudi Arabia has signed a collective-defence agreement with Pakistan and Türkiye; expanded naval construction and technology cooperation with Spain; secured South Korean air-defence systems and joint defence research; and developed military-industrial partnerships with France and Italy. Its cooperation also extends to Britain, Greece, China, India and Egypt, while new defence agreements with Malaysia, Slovakia and Somalia further broaden its options. These relationships differ in scope. Some concern mutual defence, others weapons production, training, technology or operational cooperation. Their significance lies not in counting flags, but in diversifying the capabilities, knowledge and partnerships available to the Kingdom. And while strengthening deterrence, Riyadh continues engaging Tehran diplomatically. The essential distinction is between dependence and partnership. Strategic autonomy does not mean having no allies. It means possessing enough capabilities and alternatives that no single ally holds the key to your security. The Gulf must take ownership of its future. But ownership is built through strength, cooperation and freedom of choice, not isolation.
The Gulf states need to recognise that their long-term security cannot rest on American protection while the region remains trapped in an endless cycle of confrontation. Washington may be a security partner, but it is not the one that has to live with the consequences of a regional war. Geography is unforgiving, and no amount of American military presence can insulate the Gulf from the fallout of a conflict with Iran. The Arab world needs to draw a clear line against Israeli hegemony and tell Washington that the region cannot continue to be a theatre for wars driven by external strategic calculations. The security of the Middle East cannot be built on perpetual confrontation, nor can regional stability depend indefinitely on American military power. The way forward lies in regional cooperation, dialogue and a security framework that takes into account the interests and legitimate concerns of the countries that actually share this neighbourhood. The Gulf states have both the agency and the collective weight to push for such an order. The question is whether they are prepared to exercise it, rather than continue outsourcing their security to Washington and hoping that the next war will spare them.
10
41
2,635