رئيس المخابرات المصرية زار تل أبيب قبيل السابع من أكتوبر/تشرين الأول حاملاً رسالة شديدة اللهجة بشأن غزة.
مجلة أتلانتيك الاميركية
++++++++++
عندما اجتمع قادة إسرائيل في القدس في السادس والعشرين من سبتمبر/أيلول 2023، لإحياء الذكرى الخمسين لحرب أكتوبر، وصف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الهجوم المفاجئ الذي شنته سوريا ومصر بأنه عبرة، وقصة عن تجاهل تحذيرات استخباراتية وخداع الذات، وقال: "يجب الا نستهين بأي تهديد".
قبل نحو ساعتين من صعود نتنياهو إلى المنصة لإلقاء كلمته هذه، هبطت طائرة سيسنا مستأجرة تابعة لجهاز المخابرات المصري في مطار بن غوريون، على بعد حوالي ثلاثين ميلاً من الاجتماع، وتوقفت الطائرة في قسم معزول من المطار يُستخدم للبعثات الدبلوماسية والأمنية الحساسة.
كان عباس كامل، رئيس المخابرات المصرية وأحد أبرز المسؤولين الأمنيين في المنطقة، قد وصل إلى إسرائيل في مهمة بالغة الحساسية.
قال كامل، وفقًا لمسؤولين إسرائيليين ومصريين وعرب وأمريكيين وأوروبيين أُطلعوا على زيارته بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول، إن حركة حماس، الجماعة الإرهابية الموالية لجماعة الإخوان المسلمين والتي كانت تسيطر على غزة، بدت وكأنها تستعد لشن هجوم كبير، وأضاف أن فرصة تجنب الكارثة كانت تضيق، وأوصى الحكومة الإسرائيلية بمنح حماس تنازلات اقتصادية لتجنب الصدام.
وقال مسؤول إسرائيلي سابق أُطلع لاحقًا على الزيارة، ان رسالة عباس كامل كانت مايلي: إذا لم تغيروا مساركم، فستنفجر غزة في وجوهكم.
لم يُقدم كامل للمسؤولين الإسرائيليين تاريخًا أو معلومات محددة عن الهجوم الذي تبيّن أنه متعدد الجوانب على إسرائيل بعد أقل من أسبوعين، في السابع من أكتوبر/تشرين الأول، كما لم يتضح مع من التقى تحديدًا.
ويشير سجل رحلات هيئة المطارات الإسرائيلية، إلى ان الطائرة المصرية بقيت على أرض إسرائيل لمدة 67 دقيقة قبل عودتها إلى القاهرة، وتؤكد تطبيقات تتبع الرحلات الجوية المستقلة مسار الطائرة.
ولا يزال مصير تحذير كامل، الذي صدر بعد ثلاث سنوات من الهجوم المفاجئ الأكثر تدميراً في تاريخ إسرائيل، مجهولاً، لكن مسؤولين من سبع دول مختلفة أكدوا أن زيارة كامل كان ينبغي أن تدق ناقوس الخطر في أعلى مستويات الحكومة الإسرائيلية، فقد حضر نتنياهو جلسة إحاطة سرية عقب إحياء ذكرى حرب أكتوبر، وفقاً لجدوله المعلن، وبعدها بفترة وجيزة وافق على بعض التنازلات الاقتصادية لحماس، وشدد المسؤولون الذين تحدثت معهم على أن مجرد وجود رئيس المخابرات المصرية في إسرائيل كان ينبغي أن يُظهر مدى إلحاح القضية، وقال مسؤول إسرائيلي سابق: "كان الرسول هو الرسالة"، وأضاف: "لا يُعقل أن يجتمع كبار المسؤولين الإسرائيليين مع رئيس المخابرات المصرية دون علم نتنياهو".
وقد نفى مكتب نتنياهو في الأيام التي تلت الهجوم، تلقيه أي تحذيرات، مباشرة أو غير مباشرة، من مصر بشأن الوضع في غزة، ولم يردّ المتحدثون باسم نتنياهو والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على الطلبات المتكررة للتعليق عندما جرى توجيه السؤال لهم عن زيارة كامل، ونفى رئيس مجلس الأمن القومي آنذاك، تساحي هانغبي، هذا الأسبوع وجود أي زيارة من كامل أو أي تحذير مصري من أي نوع.
وتؤكد زيارة كامل عام 2023، التي لم تُنشر تفاصيلها سابقًا، ما أكدته عشرات المصادر، وهو أن الحكومة الإسرائيلية أُبلغت مرارًا وتكرارًا بنشاطٍ مُهدِّد من حماس قبيل السابع من أكتوبر/تشرين الأول.
وقد حذّر مبعوثٌ للأمم المتحدة، كان متواجدًا في الشرق الأوسط آنذاك، علنًا من صراعٍ كامنٍ قد يُفضي إلى "عواقب وخيمة"، بينما كان يسعى سرًا لتهدئة التوترات بين إسرائيل وحماس، واتصل رئيس الإمارات، الشيخ محمد بن زايد، بنتنياهو ليحذره من احتمال وقوع هجومٍ وشيك، بعد إطلاعه على معلومات استخباراتية من مصادر مصرية وفلسطينية، وفقًا لمسؤولين أمريكيين وعرب مُطّلعين على المكالمة.
ونشرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية في وقتٍ سابقٍ من هذا الشهر، خبر المكالمة بين الزعيمين؛ وقد تأكدتُ من عدة مسؤولين من وقوعها، ونفى نتنياهو التقرير وهدّد بمقاضاة هآرتس. ولم تردّ الإمارات على طلبٍ للتعليق.
وابلغنا مسؤولون حاليون وسابقون من إسرائيل وعرب وأمريكيين في إسرائيل أنهم جميعًا شهدوا الظاهرة نفسها في عام 2023: غطرسة نتنياهو التي غذّاها اعتقاد راسخ بأن إسرائيل متفوقة على حماس.
وقال مسؤول أمريكي رفيع سابق شارك في محادثات مع الحكومة الإسرائيلية: "بدا واضحًا أن الضفة الغربية كانت أولويتهم، وكانوا واثقين، بل ومتغطرسين، بأنهم يسيطرون على الوضع".
وأسفر هجوم حماس، الذي وقع بعد احد عشر يومًا من زيارة كامل، عن مقتل نحو 1200 شخص، معظمهم من المدنيين، واختطاف 251 رهينة إلى غزة خلال غارات منسقة على تجمعات سكنية وقواعد عسكرية ومهرجان موسيقي في الهواء الطلق.
وشنت إسرائيل حملة انتقامية ساحقة أسفرت عن مقتل أكثر من 73 ألف فلسطيني في غزة، غالبيتهم من المدنيين، وفقًا لوزارة الصحة في القطاع، كما قُتلت قيادة حماس وآلاف المقاتلين، وأسفرت الهجمات على إسرائيل وحرب غزة التي تلتها عن واحدة من أكثر المآسي الإنسانية فتكًا في القرن الحادي والعشرين.
ويُعدّ افتقار حكومة نتنياهو المذهل للاستعداد قبل غزو السابع من أكتوبر/تشرين الأول، ربما، أهم قضية في الانتخابات الإسرائيلية المقررة الشهر المقبل.
ويواجه نتنياهو، الذي شغل منصب رئيس الوزراء لفترة أطول من أي سياسي آخر في تاريخ إسرائيل، أخطر تحدٍّ في مسيرته السياسية.
وطالب العديد من الإسرائيليين، بمن فيهم منافس نتنياهو الرئيسي، رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت، بإجراء تحقيق حكومي مستقل في الإخفاقات العسكرية والاستخباراتية التي سبقت هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول، إلا أن نتنياهو يرفض باستمرار تشكيل لجنة تحقيق مستقلة على غرار تلك التي شُكّلت في أعقاب إخفاقات أمنية سابقة، بما في ذلك حرب أكتوبر/تشرين الأول.
وحاول رئيس الوزراء تشكيل لجنة تحقيق معينة سياسيًا، قال إنها ستضم ممثلين عن المعارضة، وقد أثارت هذه المحاولة جدلاً واسعًا؛ إذ رفض قادة المعارضة طرح الاقتراح خشية أن يُحابي التحقيق حكومة نتنياهو.
وتحدث العشرات من المسؤولين الحاليين والسابقين من إسرائيل ومصر وعرب وأوروبيين وأمريكيين مع أتلانتك، وتساعد رواياتهم في سرد قصة ما حدث في ذلك الخريف.
+
يمكن وصف العلاقة المصرية الاسرائيلية في احسن الأحوال بالسلام البارد، منذ توقيع مصر وإسرائيل اتفاقيات كامب ديفيد للسلام عام 1978، لكن لدى البلدين رغبة مشتركة في كبح جماح تهديد حماس والجماعات المسلحة الأخرى في غزة، التي تحد البلدين، وقد ازدهر تبادل المعلومات الاستخباراتية بين مصر وإسرائيل، لا سيما منذ تولي السيسي الرئاسة عام 2014، حتى في ظل تدهور العلاقات الدبلوماسية بينهما.
وأشارت معظم التقارير الاستخباراتية في الأسابيع التي سبقت هجمات السابع من أكتوبر، بما فيها التقارير المصرية، إلى تجدد الهجمات التقليدية، كإطلاق الصواريخ، من قبل حماس والفصائل المسلحة الأخرى في غزة، كما حذرت من امتداد العنف إلى الضفة الغربية، لكن مصادر استخباراتية داخل غزة نقلت إلى مصر صورة أكثر خطورة، ما دفع مصر والإمارات إلى تنبيه إسرائيل إلى احتمال وقوع حدث غير مسبوق.
وقال مسؤول مصري عن زيارة كامل لإسرائيل في سبتمبر/أيلول 2023: "إن ذهاب كامل إلى إسرائيل لمدة ساعة واحدة فقط يعني أن السيسي نفسه شعر بضرورة الذهاب إلى هناك وإبلاغهم بنفسه".
لكن تركيز الحكومة الإسرائيلية كان منصباً على أمور أخرى، فقد كانت البلاد تعاني بالفعل من أعمق أزمة داخلية تشهدها منذ عقود.
وانشغلت إسرائيل ولأشهر، بمسعى نتنياهو لإصلاح النظام القضائي، وهو صراع دستوري احتج عليه مئات الآلاف وأحدث انقسامات عميقة داخل الجيش والمجتمع.
كما أن تصاعد العنف الإسرائيلي الفلسطيني في الضفة الغربية جعل عام 2023 الأكثر دموية منذ عقود بالنسبة للفلسطينيين في الضفة الغربية، حيث ساهمت الغارات العسكرية الإسرائيلية والهجمات الفلسطينية وعنف المستوطنين في تأجيج الوضع المتفجر.
وقد حشدت إسرائيل قوات عسكرية وموارد كبيرة في القطاع، وسعى مسؤولو إدارة بايدن إلى تخفيف حدة التوترات في الضفة الغربية، بينما ركز مفاوضون دوليون وإقليميون آخرون على قطاع غزة.
وفرضت إسرائيل حصارًا بريًا وبحريًا وجويًا شاملًا على غزة عام 2007، عندما سيطرت حماس على القطاع، ومنذ ذلك الحين، تُفرض قيود مشددة على المعابر الحدودية المصرية مع غزة، في رفح.
وأصبح التنقل شبه مستحيل بالنسبة لـ 2.1 مليون نسمة يعيشون في القطاع الذي تبلغ مساحته 141 ميلًا مربعًا.
وكانت آخر حرب بين إسرائيل وحماس هناك في مايو/أيار 2021، وانتهى ذلك الصراع الذي دام 11 يومًا بوقف إطلاق النار، بوساطة بارزة من كاميل، من بين آخرين.
وبدا أن حماس لا ترغب في التخلي عن الهدنة الهشة، لكن المراقبين الدوليين رصدوا مؤشرات على تغير الوضع داخل غزة.
وابلغني أحد المفاوضين الدوليين في المنطقة قبل صيف 2023 بوقت طويل، أن جهات اتصال كانت تُفيد بأن "شيئًا ما يُحضر"، على الرغم من أن التفاصيل كانت غامضة والإشارات مُربكة.
وتصاعدت حدة التوتر في غزة بشكل واضح بحلول أغسطس/آب، ويعود ذلك جزئياً إلى تجميد قطر لشحنات الوقود المصري التي كانت ترسلها إلى غزة منذ عام 2021 وكانت حماس قد أعادت بيع الوقود واستخدمت عائداته للمساهمة في دفع رواتب موظفي القطاع العام، وهي آلية رئيسية حافظت من خلالها على سيطرتها على القطاع.
ودعت حماس إلى مظاهرات عند معبر إيرز الحدودي احتجاجاً على تأخر المساعدات القطرية، فضلاً عن نزاعات أخرى عالقة مثل معاملة الأسرى الفلسطينيين.
ويُعدّ المعبر البوابة الرئيسية للمشاة بين إسرائيل وغزة، وهو ذو أهمية خاصة للعمال الغزيين، وردّت إسرائيل على الاحتجاجات في منتصف سبتمبر/أيلول بإغلاق المعبر.
وكان نحو 18 ألف غزّي يحملون تصاريح عمل في إسرائيل، وقال احد المفاوضين انه بعد منع هؤلاء من الذهاب إلى العمل، "بدأ التصعيد يتسارع بشكل كبير".
وذكرت صحيفة الرأي اليوم، نقلاً عن مصادر فلسطينية، في السادس والعشرين من سبتمبر/أيلول، أن حماس أبلغت الحكومة المصرية أن غزة ستنفجر غضباً بسبب إغلاق معبر إيرز، وفي اليوم نفسه، حلّقت طائرة كامل إلى إسرائيل.
وسارع المفاوضون من مصر وقطر والأمم المتحدة إلى الحفاظ على الهدوء، وردّ مسؤولو حماس بما وصفه أحد المفاوضين الدوليين بقائمة مطالب واسعة، شملت المزيد من تصاريح العمل داخل إسرائيل، واستئناف اتفاقية الوقود مقابل رواتب القطاع العام مع قطر.
ووافقت حماس في ختام المحادثات في أواخر سبتمبر، على سحب قواتها من السياج الحدودي، ومحاولة تخفيف حدة التوتر، ووافقت إسرائيل على إعادة فتح معبر إيرز، واستئناف خط الإمداد الطبي إلى غزة، مضيفةً أنها ستدرس زيادة عدد تصاريح العمل.
ومع ذلك، ظلّ الوضع متوتراً، وفي السابق والعشرين من سبتمبر/أيلول، أي قبل عشرة أيام من الهجوم، غادر تور وينسلاند، المنسق الخاص للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط، غزة محذراً بشدة قائلا: "الوضع داخل القطاع خطير، وعلينا تجنب صراع آخر ستكون له عواقب وخيمة على الجميع"، كما كتب وينسلاند في صحيفة "إكس".
بعد يوم من ذلك، بدا أن الترتيب الجديد بدأ يترسخ، وشاهد دبلوماسيون أوروبيون زاروا إيرز العمال الغزيين يعودون إلى إسرائيل.
لكن مفاوضين أخبروني أنه اتضح لاحقاً أن حماس كانت تستخدم المحادثات كحيلة لكسب الوقت ريثما تُنهي خططها الهجومية.
وكشفت وثائق استعادتها إسرائيل من غزة أن حماس اعتبرت صراع 2021 انتصاراً، وبدأت في أعقابه التخطيط لعملية ضخمة.
وقد حددت مذكرة مفصلة من أغسطس/آب 2022، كُتبت بخط يد يحيى السنوار، زعيم حماس آنذاك في غزة، جزءاً كبيراً من الخطة العملياتية التي ستنفذها الحركة في العام التالي، وواصلت حماس استعداداتها الحثيثة لهجوم واسع النطاق، بينما ركز الوسطاء الدوليون على قضايا مثل تصاريح العمل وإمدادات الوقود، اعتقادًا منهم أن ذلك قد يخفف التوترات.
وابلغني محللون عسكريون أمريكيون وإسرائيليون أن إسرائيل أساءت فهم نوايا حماس، وخلصت إلى أن الحركة لا ترغب في مواجهة عسكرية.
+
زيارات عباس كامل إلى إسرائيل نادرة، وكانت آخر رحلاته المعروفة في مايو وأغسطس 2021، عقب حرب إسرائيل وحماس في ذلك العام، وبعد زيارة كامل في سبتمبر 2023، واصلت مصر دق ناقوس الخطر حتى قبل يومين من الهجوم، وفقًا لمسؤولين أمريكيين ومصريين وإسرائيليين مطلعين على تلك الاتصالات.
وابلغني مسؤولون أمريكيون وإسرائيليون أنه من غير الواضح ما إذا كان من الممكن فهم رسالة كامل على أنها تنبؤ بالهجوم غير المسبوق الذي تلاها، ولم تتضمن معظم التحذيرات التي تلقتها إسرائيل في عام 2023 تاريخًا أو هدفًا أو أسلوبًا للهجوم، لكنها كانت متكررة ومستمرة.
في نفس الفترة تقريبًا، تلقى نتنياهو اتصالًا من بن زايد، الذي كانت بلاده قد طبعت علاقاتها مع إسرائيل قبل ثلاث سنوات فقط، وسعى بن زايد، بحسب التقارير، إلى إيصال تقييمه بأن السنوار كان يخطط لهجوم كبير.
حثّ بن زايد، حاله حال كامل، نتنياهو على تقديم تنازلات اقتصادية لغزة، لكن نتنياهو بدا غير متأثر، وفقًا لما ذكره لي مسؤولان عربيان مطلعان على المكالمة.
وشعر مفاوضو الأمم المتحدة والمسؤولون الأمريكيون والمنظمات الدولية بأن التوترات في غزة بلغت مستويات استثنائية، لكنهم أبلغوني أنهم لم يكونوا على علم بأي خطط محددة لشن هجوم.
وفي 28 سبتمبر/أيلول، أصدرت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية تقريرًا داخليًا بشأن احتمال تصعيد حماس في غزة، استنادًا جزئيًا، بحسب التقارير، إلى معلومات من أجهزة استخبارات أجنبية.
وأبلغني مسؤولون أمريكيون أن التقرير أشار إلى احتمال إطلاق حماس صواريخ على إسرائيل على مدى عدة أيام، أما التقرير الثاني، المؤرخ في 5 أكتوبر/تشرين الأول، فقد بنى على التقرير الأول، لكنه كان تحليليًا أكثر منه كاشفًا، ولم يرصد أي منهما تدريبات على هجوم منسق ومتعدد المحاور، كتلك التي نفذتها حماس بعد يومين.
وفي الخامس من أكتوبر/تشرين الأول، أكدت رسالة من مصر إلى إسرائيل مجددًا المخاوف من أن الوضع لا يُطاق، وفقًا لمسؤولين أمريكيين ومصريين وإسرائيليين، ولم تُحدد الرسالة تاريخًا أو منهجية، لكنها نقلت حالة من الاستعجال بشأن هجوم محتمل، بحسب المسؤولين.
كما شاركت مصر تقييماتها مع عدة دول أخرى في المنطقة، بما فيها السعودية، وفقًا لما ذكره لي مسؤول خليجي رفيع المستوى.
وأفاد مسؤولون عرب بأن رئيس المخابرات الأردنية نقل مخاوفه إلى نظرائه الإسرائيليين من أن الوضع بات متفجراً، لا سيما في الضفة الغربية، ويتطلب معالجة عاجلة، ولم يردّ متحدثون باسم الحكومة الأردنية وجهاز المخابرات على طلب للتعليق.
وأبلغني مسؤولون في إدارة بايدن أن مصر والإمارات لم تُطلعهم على هذه التحذيرات قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وقدّم مسؤولون أمريكيون ومصريون وعرب وإسرائيليون مجموعة من الأسباب لذلك، لي عدد منهم إن التحذيرات كانت مبهمة للغاية بحيث لا تستدعي مشاركتها مع الولايات المتحدة، بينما قال مسؤولون آخرون، بمن فيهم مسؤولون من المنطقة، إن الأمر متروك لحكومة نتنياهو لإطلاع واشنطن على النتائج.
ورفض المسؤولون الأمريكيون الذين تحدثت معهم هذا التفسير، مشيرين إلى أنه إذا كان لدى مصر أو أبو ظبي تحذير عاجل لإسرائيل، فكان ينبغي على واشنطن أن تسمع عنه منهما.
وأُبلغ مدير وكالة المخابرات المركزية ويليام بيرنز، بشكل عابر تقريبًا بعد عدة أشهر من الهجوم، بزيارة كامل لإسرائيل ومكالمة بن زايد، لكنه لم يُبلغ بتفاصيل اتصالاتهما، وفقًا لمسؤولين أمريكيين وإسرائيليين وعرب.
بعد يومين من الهجوم، وبينما كانت إسرائيل تُقيّم حجم المأساة وبدأت حملتها العسكرية في غزة، نفى مكتب نتنياهو التقارير الصحفية التي أفادت بتلقيه أي اتصال من كامل أو مصر. وصرح مكتبه في بيان صحفي: "لم يتحدث رئيس الوزراء، ولم يلتقِ، برئيس المخابرات المصرية منذ تشكيل الحكومة، لا بشكل مباشر ولا غير مباشر".
لكن التمييز بين الاتصال المباشر والمعلومات الاستخباراتية التي تُنقل عبر مساعدين ومسؤولين آخرين أصبح محور النقاش حول ما إذا كان بإمكان إسرائيل بذل المزيد من الجهد لاستباق الهجمات.
وصرّح رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب آنذاك، مايكل ماكول، للصحفيين في الحادي عشر من أكتوبر، بعد جلسة إحاطة سرية للنواب، بأن مصر حذّرت إسرائيل.
وقال ماكول: "نعلم أن مصر حذّرت الإسرائيليين قبل ثلاثة أيام من احتمال وقوع حدث كهذا. لا أريد الخوض في تفاصيل سرية، لكن تم توجيه تحذير. أعتقد أن السؤال كان حول مستوى هذا التحذير". (لم يستجب ماكول لمحاولاتي المتكررة لمناقشة تصريحاته).
ووصف مسؤولون إسرائيليون في الأشهر اللاحقة، فشلاً أوسع في تفسير الإشارات القادمة من غزة.
ووصف حرزي هاليفي، رئيس أركان جيش الدفاع الإسرائيلي آنذاك، المؤسسة العسكرية بأنها كانت "غافلة"، في تسجيلات مسربة لجلسات إحاطة مع عائلات الضحايا وسكان غزة، حصلت عليها القناة الثانية عشرة الإسرائيلية،
وقال هاليفي لرؤساء المجالس المحلية في تسجيل مسرب آخر، إنه قبل الهجمات، كان يعتبر غزة "آخر حدود تحتاج إلى اهتمام".
واستقال هاليفي من منصبه في مارس/آذار 2025، وفي يونيو/حزيران من العام نفسه، استقال رئيس جهاز الأمن الإسرائيلي، رونين بار، تحت ضغط بسبب إخفاقات استخباراتية مرتبطة بهجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول، وتم استبدال هانغبي، رئيس مجلس الأمن التابع لنتنياهو، في أكتوبر/تشرين الأول 2025، أما كامل، الذي ترك جهاز المخابرات العامة المصري في أكتوبر/تشرين الأول 2024، فهو الآن مستشار ومبعوث خاص للسيسي.
ولم تكتفِ إسرائيل بشن هجوم ساحق على غزة منذ هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول، بل فتحت لاحقًا جبهات عسكرية ضد حزب الله اللبناني، وشنت حربًا على إيران هذا العام، ومن المستحيل معرفة ما كان سيحدث لو أُخذت تحذيرات كامل وغيره بعين الاعتبار في حينه، لكن من الصعب تصور أن إسرائيل لم تكن لتكون أكثر استعدادًا، فقد فاجأت الهجمات أجهزة الأمن الإسرائيلية، ولم تكن قوات الاحتياط متاحة فورًا بعد الهجوم على تجمعات الكيبوتسات، مما جعلها تحت حماية قوات مدنية محلية متطوعة، خفيفة التسليح، من حوالي الساعة 6:30 صباحًا، وقت بدء الهجمات، وحتى الساعة 1:30 ظهرًا، حين وصلت تعزيزات كبيرة من الجيش الإسرائيلي.
وقال نتنياهو في مقطع فيديو دعائي الشهر الماضي إن مسؤولي الأمن الإسرائيليين لم يوقظوه فورًا صباح السابع من أكتوبر، وأضاف نتنياهو، دون الخوض في التفاصيل: "قبل أكتوبر، كانت هناك مؤشرات تحذيرية كثيرة، ودلائل عديدة، على قرب وقوع هجوم.. لو أيقظوني، لكان كل شيء مختلفًا. هذه هي قصة السابع من أكتوبر - هذه هي القصة".
ولا تزال غزة اليوم مدمرة، والعنف مستمر، رغم جهود إدارتي بايدن وترامب لتأمين وقف إطلاق النار.
وقدّر تقييم أجرته الأمم المتحدة والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي في أبريل/نيسان أن غزة ستحتاج إلى 71.4 مليار دولار على مدى العقد المقبل لإعادة إعمارها وإنعاشها.
ولا تزال الغالبية العظمى من سكانها نازحة، فيما لا تزال صدمة السابع من أكتوبر/تشرين الأول حاضرة في أذهان الإسرائيليين، وتواصل عائلات الضحايا البحث عن إجابات بشأن كيفية تمكّن حماس من شنّ هجوم مدمر على إسرائيل بدا وكأنه فاجأ الحكومة تمامًا.