الشذرة سبعمائة واثنتان وثمانون
زوجوني قبل أن أنحرف !
لما بلغت التاسعة عشر عاما ، رغبت في الزواج ، ولم أجرؤ على مصارحة أبي - رحمه الله - ، وماذا أقول ولم أبلغ العشرين من عمري ، ولست مثل صديقي عبد العزيز الذي زوّجه والده وهو ابن ستة عشر عاما ، فعجبنا من ذلك ، حتى سرق بعضنا مزاحا - ولست منهم - نعليه يوم أن كنا نقيم أعراسنا في بيوت من شعر ، فننزع نعالنا ومنهم العَروس - والعروس وصف للرجل والمرأة ، فيقال رجل عَروس وتجمع على رجال أعراس وعُرُس ، وامرأة عروس وتجمع على نسوة عرائس ، والمرأة هي العِرس أيضا ، وأما بالضم عُرس فهو حفل الزواج - .
نرجع لوالدي الذي جئته يوم أن قال ( من القيلولة ) ، والوالد - رحمه الله - يعظّم القيلولة كتعظيمي لمْطَبَّق الزبيدي إذا نُثر عليه الروبيان ( الجمبري ) ، فلما أفاق ، قال : عسى ما شر ؟ !
قلت له : بأتزوج !
فنظر إليّ نظرة هي أحدّ من السيف ، وأمضى من السهم ، وهو يتعجب من شاب لم يبلغ عشرين سنة ، راتبه لا يكفي كتبا يشتريها ، قد ضاقت الدار منها ، فضلا عن إحضار امرأة وبعدها أولاد .
فلم أمهله يُحدِق النظر ، وأتبعته بكلمة همّ أن يرفع عقاله أو نعله ، وما حوله عِقاله ولا نِعله ، ولأنني أعرف الوالد فلم يكن كوالد أبي الفضل الهمذاني الشافعي ، وكان أبوه فقيها فقد قال عنه : كان والدي - رحمه الله - إذا أراد ضربي ، يقول: نويتُ أن أضربَ ولدي تأديبًا كما أمر الله ، حتى لا يكون ظالمًا في ضربه ، وإلى أن ينوي ويُتم النية كنتُ أهرب !
فبادرت والدي الحنبلي - والنية عنده محلها القلب - ، فقلت : زوّجوني قبل أن أنحرف ، وخرجت مسرعا !
لا أظنّ الوالد قال ، ولا بات تلك الليلة ، خشي أن آتيه ببائقة من بوائق الدهر ، فقد أصبحتُ وأمي تبحث لي عن امرأة ، ولم تمضِ شهور حتى تزوجت ، وما بلغت عشرين سنة إلا وأنا أبٌ ، فرحم الله والدي ما كان أعقله ، وأبرّه بنا - رحم الله والدينا وإياكم أحياء وأمواتا - .
كنت صادقا مع والدي ، فقد كان الخوف من انحراف خلقي هو أكبر باعث لي على الزواج ، فغالب الشباب هم أسارى فتن الشهوات ، ويجب دفعها بزواج أو صيام ، ولم يكن في زماننا إلا تلفزيون أرضي ومجلات وصحف ، فما كنا نعرف ستلايت ، ولا إنترنت ، ولا وسائل تواصل ، فلطف الله بشبابنا وبناتنا اليوم ، وصرف عنهم شر كل من فيه شر .
قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لأبي الزوائد : ما يمنعك من النكاح إلا عجز أو فجور .
الزواج المبكر عونٌ على العفاف ، وحفظٌ للنفس ، وإشباعٌ للحاجة الفطرية في إطار من المسؤولية والكرامة .
وإني لأستغرب من تأخر كثير من أولادنا - البنين والبنات - في الزواج ، وكثير منهم قد يسر الله أمره ، وما ثمّ مانع إلا الهروب من المسؤولية ، أو الانهماك في المباح من الملاهي ، أو النظر فيمن لم يُوفَّق في زواجه .
حمى الله أولادنا من كل سوء ، ويسر لهم زواجا مبكرا ، ورزقهم سعادة أسرية .
( عبد العزيز العويد )