#مرافئ_الحنين
#بيان_ختامي الجزء الأول
مرافئ الحنين...
لكل بداية نهاية، لكن الشجاعة الحقيقية في امتلاك الجرأة على اتخاذ قرار التوقف حين يصبح الاستمرار على حساب المبادئ التي انطلقنا منها.
ومن هنا، أود أن أوضح أن ما أكتبه اليوم ليس وليد لحظة انفعال، ولا نتيجة ظرف عابر أو ضغوط فرضت نفسها، بل هو قرار حاسم تتخذه إدارة مرافئ الحنين وهي في كامل نشاطها وعطائها، وبعد مسيرة حققت فيها الكثير مما حلمت به. نرفض أن يأتي قرار كهذا تحت وطأة الظروف، أو أن نترك للضغوط أن تختار عنا توقيت النهاية فنحن نريد أن نغادر بإرادتنا، حين نشعر أن الحفاظ على جوهر الرسالة أصبح أهم من مواصلة الرحلة لمجرد البقاء.
منذ أن بدأت تأسيس مرافئ الحنين، لم يكن حلمي إصدار مجلة أدبية أو جمع الأسماء تحت سقف واحد، بل صناعة مساحة راقية تليق بالكلمة، وتحتضن المواهب، وتنصف النصوص الأصيلة، وتمنح الأدب مكانته التي يستحقها. أردت لها أن تكون بيتا للإبداع، ومنبرا للفكر، ومساحة يلتقي فيها أصحاب الأقلام على المحبة والوعي واحترام الحرف.
وبفضل الله، مضت المجلة في رحلتها ثمانية أعوام، وحققت مكانة أعتز بها. شهدت انطلاق أدباء وكتّاب، ورأيت أسماء كبرت في مساحتنا ثم شقت طريقها لتؤسس منتدياتها ومجلاتها الخاصة. ولم أبخل يوما بجهد أو وقت في سبيل قلم يستحق الفرصة، مؤمنة بأن خدمة الأدب مسؤولية، وأن النجاح الحقيقي لا يقاس بما نبنيه لأنفسنا وحدنا، بل بما نتركه من أثر في الآخرين.
لكن المشهد الأدبي اليوم يفرض علينا وقفة صادقة.
لقد دخل الذكاء الاصطناعي عالم الكتابة من أبواب واسعة، وأصبح حضوره يتزايد حتى باتت نصوص كثيرة تتشابه في صورها وتراكيبها ومفرداتها، ويصعب أحيانا تمييز الصوت الإنساني من الصوت الذي تصوغه الخوارزميات. ولا تكمن المشكلة في الاستعانة بهذه الأدوات لتصحيح اللغة أو ترتيب الأفكار، بل في أن تتحول من وسيلة مساعدة إلى بديل عن التجربة والموهبة، وأن يفقد الكاتب ثقته بصوته حتى لا يعود يطمئن إلى كلماته ما لم تعِد الآلة تشكيلها.
إن أكثر ما يقلقني أن يتحول صاحب القلم من مبدع يغامر بلغته، ويتعلم من عثراته، ويصوغ تجربته بفرادته، إلى مستهلك لصوت مستعار يستبدل ارتباك روحه بصياغة جاهزة، وخصوصية شعوره باحتمالات متشابهة.
فالأدب ليس سلامة اللغة وحدها، ولا براعة الاستعارة، ولا القدرة على إنتاج جمل مدهشة. الأدب تجربة إنسانية، وذاكرة تنبض، وندبة لا تشبه سواها، وصوت يحمل بصمة صاحبه حتى في عثراته. قد يتعثر النص البشري، وقد لا يبلغ الكمال الفني، لكنه يستطيع أن يحمل صدقا لا تصنعه البلاغة وحدها.
ومع ذلك، لست ممن يدّعون امتلاك معيار قاطع يكشف مصدر كل نص. فالبرامج المتخصصة في التمييز بين الكتابة البشرية والكتابة المولّدة آليا ليست دقيقة على نحو مطلق، كما أن جودة النص أو ضعفه لا تكفيان للحكم على مصدره، ولا يجوز أن تتحول الاستعانة بالتكنولوجيا إلى تهمة تنفي الموهبة عن أصحابها.
لكن من حقنا، في المقابل، أن نتساءل عن أصالة النصوص التي ننشرها، وعن مدى صدق نسبتها إلى أصحابها، وأن نتمسك بمعايير تحريرية تحفظ هوية المجلة ورسالتها. وما لم أعد أستطيع الاطمئنان إليه هو نشر نصوص يختلط فيها الصوت الأصيل بالصوت المستعار، من دون أن أمتلك وسيلة موثوقة للتحقق من حقيقتها.
ومن هنا تبدأ مسؤوليتي.
لا أريد أن أظلم كاتبا مبدعا، ولا أن أمنح نصا مساحة كان أولى بها قلم أمضى سنوات في القراءة والتجربة والصقل. وفي الوقت نفسه، لا أريد أن أكون شريكة في مشهد تتشابه فيه الأصوات حتى تضيع هوية الكاتب، أو أن أضع اسم مجلتي على نصوص لا أملك الاطمئنان الكافي إلى أصالتها.
لهذا، أجدني اليوم أمام قرار التوقف عن مواصلة النشر في مرافئ الحنين، والاكتفاء بما حققته المجلة خلال مسيرتها، حفاظا على المبادئ التي تأسست من أجلها.
ليس هذا القرار حكما على الأقلام جميعها، ولا انتقاصا من جهود المخلصين، ولا رفضا للتكنولوجيا حين تكون أداة تخدم الإبداع ولا تصادره. إنه موقف نابع من مسؤوليتي تجاه المجلة، وتجاه كل كاتب وثق بأن نصه سيجد في مساحتنا مكانا يليق به، وتجاه المعنى الذي أردت لهذه التجربة أن تحمله منذ يومها الأول.