نتنياهو.. الثعلب الذي لم يسقط!
نتنياهو ثعلب ماكر، وشخصية استثنائية في تاريخ الكيان، حتى إن كثيرا من أنصاره يلقبونه بالملك. فهو ليس مجرد رئيس وزراء عابر كإيهود باراك أو إيهود أولمرت أو نفتالي بينيت، بل شخصية هيمنت على الحياة السياسية في الكيان لعقود، منذ توليه رئاسة الحكومة لأول مرة عام 1996، ثم عودته إلى الحكم عام 2009، واستمراره فيه، باستثناء فترات قصيرة، حتى اليوم.
وقد واجه نتنياهو قضايا فساد ومحاكمات لا تزال مستمرة، دون صدور إدانة نهائية بحقه حتى الآن، بينما سقط سياسيون آخرون، بل دخل بعضهم السجن، مثل إيهود أولمرت والرئيس الأسبق موشيه كتساف. وهذا يطرح تساؤلا عن سر هذه القدرة الاستثنائية على البقاء في السلطة، رغم الأزمات والانقسامات والضغوط التي تعرض لها.
إن نتنياهو، فيما يبدو، ليس مجرد شخص يتمسك بالحكم، بل يمثل توجها راسخا في مؤسسات الكيان الأمنية والعسكرية والسياسية، فالمسألة أوسع من شخصه، وأعمق من خلافات الأحزاب وتنافسها على السلطة.
ماذا تقول نتائج الانتخابات؟
رغم كل الجهود التي بذلتها المعارضة لإسقاط نتنياهو، لم يتمكن خصومه حتى الآن من إخراجه من المشهد. فالنتائج الأولية أظهرت تقدم حزب الليكود بنحو 27 مقعدا، فيما حصل معسكر نتنياهو على نحو 54 مقعدا، مقابل نحو 49 لمعسكر المعارضة بقيادة إيزنكوت، مع حصول الأحزاب العربية على عدد كبير من المقاعد. وهذه أرقام أولية قابلة للتغير نسبيا، ولا يملك أي من المعسكرين، وفق هذه الأرقام، أغلبية الـ61 مقعدا اللازمة لتشكيل الحكومة.
وأمام نتنياهو عدة خيارات: إما تشكيل حكومة وحدة مع إيزنكوت وأحزاب أخرى، مع استبعاد بن غفير وسموتريش وهذا ما تفضله أمريكا، أو استمالة بعض القوى من معسكر المعارضة لتشكيل حكومة جديدة، أو الذهاب إلى انتخابات مبكرة، وفي هذه الحالة يستمر نتنياهو في رئاسة الحكومة بصفة تصريف الأعمال إلى حين تشكيل حكومة جديدة.
ويبدو أن تشكيل حكومة تجمع نتنياهو وإيزنكوت، أو جزءا من معسكره، يظل أحد الاحتمالات المطروحة، وإن كان ذلك لا يزال رهنا بالمفاوضات ومواقف الأحزاب. كما أن استبعاد الأحزاب العربية من المشاركة في الحكم يظل احتمالا قويا، بالنظر إلى مواقف معظم أحزاب المعسكرين منها.
لكن القضية الأهم ليست نتنياهو وحده.
لقد شهد الكيان خلال العقود الماضية تحولات جعلت التوجه الأمني والعسكري والصهيوني عاملا حاسما في رسم سياساته. فالخلافات بين الأحزاب الصهيونية، مهما اشتدت، لا تعني بالضرورة اختلافها في جوهر المشروع الصهيوني، ولا تجعل تغيير رئيس الحكومة تغييرا في طبيعة الكيان.
ومن هنا، فإن تصوير الانتخابات وكأنها صراع بين مشروعين متناقضين هو تضليل؛ فالقوى الصهيونية تتفق على أصل المشروع، وإن اختلفت في الأساليب والتفاصيل والشكل. وقد يكون الخلاف بينها حادا، لكنه لا يغير حقيقة الاحتلال ولا طبيعة الكيان ودوره في بلاد المسلمين.
أما نحن المسلمين، فلا تتعلق قضيتنا بمن فاز ومن خسر، ولا بذهاب نتنياهو أو بقائه؛ فقضيتنا هي وجود هذا الكيان واحتلاله لأرض فلسطين، وكونه قاعدة عسكرية متقدمة للغرب في قلب بلاد المسلمين.
ولذلك، فإن صراعنا مع هذا الكيان لا يكون بالتعويل على انتخاباته أو خلافات أحزابه، وإنما بالعمل لإزالة الاحتلال، وتحرير الأرض المباركة، وإعادة فلسطين جزءا من البلاد الإسلامية ودار الإسلام، في ظل خلافة إسلامية تحكم بما أنزل الله.
فنتنياهو قد يرحل، وقد يأتي غيره، لكن المشروع الصهيوني باق ما بقيت أسبابه؛ ولذلك فإن المعركة ليست مع نتنياهو وحده، بل مع الكيان الذي يمثله والمشروع الذي يقوم عليه.