أما ما يجري في فرنسا وأوروبا اليوم، فهو بالدرجة الأولى نتاج الضغوط الاقتصادية المتراكمة، وارتفاع أسعار الوقود والديزل، والتضخم وتدهور القدرة الشرائية، وهو ما يرتبط بصورة مباشرة بالسياسات الأوروبية الكارثية وخضوع الاتحاد الأوروبي للسياسات الأمريكية المعتوهة في الشرق الأوسط، فضلاً عن تبعات المواجهة الاقتصادية مع روسيا.
فالأوروبيون يدفعون اليوم من جيوبهم ثمن قرارات سياسية وعسكرية لم تخدم مصالحهم الاقتصادية، وتسببت في زيادة تكاليف الطاقة والنقل والإنتاج والمعيشة. وفي الوقت الذي تتحمل فيه الشعوب الأوروبية هذه الأعباء، تستمر حكوماتها في تبني السياسات الأمريكية التي ساهمت في إنتاج الأزمة أصلاً.
وهنا تحديداً يظهر الفرق بين الثقافة السياسية الفرنسية والثقافة الأنجلو ساكسونية. فالفرنسي لا يقبل بسهولة أن تتدهور قدرته الشرائية وتتراجع الخدمات التي يحصل عليها، بينما تستمر حكومته في إنفاق الأموال على سياسات خارجية لا يرى أنها تخدم مصالحه.
ومن الطبيعي أن تتحول هذه الضغوط الاقتصادية إلى حراك شعبي واسع، خصوصاً في فرنسا التي تملك تاريخاً من المظاهرات والإضرابات أكبر وأعنف بكثير مما نشاهده اليوم في باريس.
وهناك أيضاً عامل آخر يتمثل في الجيل الجديد من الفرنسيين، بمن فيهم أبناء الجيلين الثاني والثالث من المهاجرين القادمين من دول العالم الثالث، الذين نشأوا في أوروبا وتشربوا الثقافة السياسية الفرنسية، ويحملون في الوقت نفسه قضايا سياسية مرتبطة بأصولهم وتاريخ عائلاتهم، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
وهؤلاء الشباب لا ينفصلون عن الحراك الفرنسي، بل يشكلون جزءاً منه، إلى جانب الطلاب والعمال والنقابات والفرنسيين الذين تعود أصول عائلاتهم إلى فرنسا منذ قرون. ولهذا فإن تصوير المظاهرات باعتبارها مواجهة عرقية بين المهاجرين والسكان الأصليين يعكس جهلاً بطبيعة المجتمع الفرنسي نفسه.
فالفرنسيون لم يتعلموا التظاهر من المهاجرين، ولم ينتظروا وصول المسلمين إلى أوروبا حتى يكتشفوا الثورة على حكوماتهم. لقد كانوا يقيمون المتاريس في شوارع باريس، ويحرقون رموز السلطة، ويسقطون الملوك، ويخوضون الانتفاضات الشعبية قبل قرون من وصول موجات الهجرة الحديثة إلى أوروبا.
ورغم اختلافنا الكبير مع الأوروبيين دينياً وسياسياً وأيديولوجياً، فإن هناك حقيقة لا يمكن إنكارها، وهي أن المجتمعات الأوروبية، وخصوصاً فرنسا، تمتلك تقاليد راسخة من النضال الشعبي والوعي السياسي لا يستطيع اليمين الأمريكي فهمها، لأنه يحاول تفسير تاريخ أوروبا من خلال ثقافة سياسية مختلفة تماماً.
ولهذا فإن ما يحدث اليوم في باريس، مهما بلغت حدته، ليس ظاهرة غريبة عن التاريخ الفرنسي، ولا دليلاً بحد ذاته على اقتراب حرب أهلية عرقية أو انهيار أوروبا.
الفرنسيون شعب ثار على ملوكه، وأسقط حكوماته، وشلّ دولته مراراً دفاعاً عن حقوقه. ومن يعتقد أن هؤلاء سينتظرون إذناً من حكوماتهم حتى يتظاهروا ضد الغلاء وانهيار مستوى المعيشة، لا يعرف شيئاً عن فرنسا.
كثير من الناس لا يفهمون فرنسا، ولم يقرأوا شيئاً عن تاريخها، ولذلك يتعاملون مع المظاهرات الحالية في باريس وكأنها بداية انهيار الحضارة الأوروبية، أو مقدمة لحرب أهلية بين المهاجرين والسكان الأصليين، وبين البيض وغير البيض.
هذه التصورات السخيفة ليست سوى إسقاطات أيديولوجية يروّج لها بالدرجة الأولى اليمين الأمريكي والأنجلو ساكسوني، الذي يعاني من جهل فادح بتاريخ أوروبا، ولا يفهم طبيعة المجتمعات الأوروبية وثقافتها السياسية وتاريخ الحراك الشعبي فيها.
هناك حقيقة أساسية يجب فهمها، وهي أن فرنسا ليست الولايات المتحدة، والفرنسيين ليسوا الأمريكيين أو الكنديين أو الأستراليين.
فرنسا تملك واحدة من أكثر الشعوب وعياً سياسياً، ومن أعرق ثقافات الحراك الشعبي والنضال الاجتماعي في العالم. وتاريخها ليس مجرد تاريخ من المظاهرات السلمية، بل تاريخ حافل بالثورات والانتفاضات والإضرابات التي أسقطت ملوكاً وحكومات، وأعادت تشكيل النظام السياسي الفرنسي مراراً.
ولا أتحدث هنا فقط عن الثورة الفرنسية عام 1789، التي أطاحت بالنظام الملكي القديم وغيّرت تاريخ أوروبا بأكمله.
في عام 1830، أسقط الفرنسيون الملك شارل العاشر بعد ثلاثة أيام من الانتفاضة الشعبية في باريس. وفي عام 1848 أطاحوا بملكية يوليو وأعلنوا الجمهورية الثانية. وفي عام 1871 انتفضت باريس مجدداً وأقامت الكومونة، التي انتهت بمواجهات دموية قُتل خلالها آلاف الفرنسيين.
وفي عام 1936، اجتاحت فرنسا موجة هائلة من الإضرابات العمالية التي أجبرت السلطة وأرباب العمل على تقديم تنازلات تاريخية، بينها إقرار أسبوع العمل من 40 ساعة والإجازات السنوية المدفوعة.
أما المثال الأكثر إثارة فهو ما حدث في مايو 1968، عندما بدأت الاحتجاجات من الجامعات الفرنسية، قبل أن تتحول إلى انتفاضة شعبية انضم إليها نحو 10 ملايين عامل، وشلّت فرنسا اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً.
تخيلوا أن هذه الانتفاضة كادت تطيح بحكم شارل ديغول نفسه، الرجل الذي قاد فرنسا الحرة خلال الحرب العالمية الثانية وأصبح بطلاً قومياً في نظر ملايين الفرنسيين. ومع ذلك، لم يتردد الفرنسيون في النزول إلى الشوارع ضده، حتى اضطر إلى حل الجمعية الوطنية وإجراء انتخابات جديدة، قبل أن تنتهي رئاسته عام 1969.
ثم جاءت إضرابات عام 1995 التي شلّت وسائل النقل ومؤسسات الدولة، واحتجاجات الطلاب عام 2006 التي أجبرت الحكومة على التراجع عن قانون العمل الجديد، وانتفاضة السترات الصفراء عام 2018 التي هزّت باريس لأشهر بسبب الضرائب على الوقود والضغوط الاقتصادية، وصولاً إلى المظاهرات المليونية ضد إصلاح نظام التقاعد عام 2023.
كل هذا التاريخ، ثم يخرج علينا أمريكي لم يقرأ كتاباً عن فرنسا ليخبرنا أن المظاهرات الحالية تعني أن الأوروبيين على وشك الدخول في حرب أهلية بين البيض والمهاجرين!
المشكلة أن الأمريكيين والأنجلو ساكسون عموماً ينظرون إلى المجتمعات الأوروبية من خلال ثقافتهم السياسية الخانعة للمؤسسة الحاكمة، وهي ثقافة أكثر بروداً وخضوعاً للسلطة، ولا تملك تاريخاً من النضال الشعبي الجذري يقترب من التاريخ الفرنسي.
فالحقوق التي يعتبرها الأوروبيون بديهية، والتي انتزعتها شعوبهم عبر أجيال من الإضرابات والمواجهات مع الحكومات وأرباب العمل، لا تزال في الولايات المتحدة نفسها موضع جدل سياسي، أو امتيازات لا يستطيع ملايين الأمريكيين الحصول عليها.
الأمريكي يقبل أن يعيش في دولة يدفع فيها ضرائب هائلة، ثم يضطر إلى دفع عشرات آلاف الدولارات للتعليم الجامعي، وقد يجد نفسه غارقاً في الديون بسبب فاتورة علاج طبي. أما الفرنسي، فلا يقبل بسهولة أن تتراجع الدولة عن مسؤولياتها في توفير الرعاية الصحية والتعليم والخدمات العامة والحماية الاجتماعية، لأنه يعتبر هذه الحقوق جزءاً من العقد الاجتماعي الذي انتزعته الأجيال السابقة بالنضال.
وهذا هو الفرق الجوهري بين الثقافتين. الفرنسيون لا يرون أن عليهم شكر حكوماتهم على الحقوق الاجتماعية التي يتمتعون بها، بل يرون أن الحكومات ملزمة بتوفيرها مقابل الضرائب التي يدفعونها، وأن عليهم النزول إلى الشوارع إذا حاولت السلطة الانتقاص منها.
وهذه الثقافة لا تقتصر على فرنسا، فإيطاليا أيضاً تملك تاريخاً هائلاً من الإضرابات والحركات العمالية والانتفاضات الشعبية، وكذلك العديد من الدول الأوروبية التي اعتادت شعوبها على مواجهة الحكومات في الشوارع دفاعاً عن مصالحها.