هذا آخرُ ما أملاه أبو الحسن الأشعريُّ قبل موته، وفيه أعلنَ على رؤوس الأشهاد أنَّ دِينَه الذي يلقى اللهَ به هو دِينُ أحمدَ بن حنبل؛ ولهذا صار «الإبانة» أكثرَ كتبه إقلاقًا لمن انتسبَ إليه.
فقلَّ كتابٌ في تاريخ العقيدة أثار من الجدل ما أثاره، لا لغموضٍ في عبارته بل لوضوحِها؛ إذ جاء فاصلًا في مسألةٍ كبرى: ما المعتقد الذي استقرَّ عليه رأسُ المتكلِّمين الذي تنتسب إليه الأشاعرة قبل أن يلقى ربَّه؟ والكتاب يجيب بصراحةٍ لا تقبل التأويل: أنَّه عقيدةُ أهل الحديث والسنّة، وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل.
ولأنَّ هذه النتيجة تصطدمُ بمنهج متأخِّري الأشاعرة في تأويل الصفات، صارت «الإبانة» محلَّ نزاعٍ طويلٍ: بين من يثبتها دليلًا على رجوع الأشعري إلى مذهب السلف، وبين من يكذِّبها أو يدّعي تحريفها أو يزعم أنَّها كُتبت تقيّةً. وهذا الاضطرابُ في المواقف هو في ذاته أبلغُ شاهدٍ على أنَّ ما في الكتاب يخالف ما استقرَّ عليه المذهبُ الأشعريُّ المتأخِّر؛ إذ لو وافقه لما احتاجوا إلى كلِّ هذا التكلُّف في ردِّه أو تأويله.
وفي هذه الورقة عرضٌ وتعريفٌ بالكتاب: مكانتِه في تصانيف مؤلِّفه، ومضمونه، وأبوابه، وأهمِّ مسائله، ثمَّ بيانُ الجدل القائم حول نسبته وتحريفه, وخَتمُها بالموازنة بين طبعاته واختيارِ أجودها.
أولًا: مؤلِّف الكتاب
هو الإمام أبو الحسن عليُّ بن إسماعيل بن إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن أبي بُردة بن أبي موسى الأشعريُّ، البصريُّ ثمَّ البغداديُّ، المتوفَّى سنة (٣٢٤هـ) ببغداد.
نشأ في حِجر زوج أمِّه أبي علي الجُبّائيِّ شيخِ المعتزلة، ومكثَ على الاعتزال نحوًا من أربعين سنة، ثمَّ أعلن رجوعَه عنه. والمشهور أنَّ له بعد الاعتزال طورين: طورٌ أثبت فيه الصفاتِ السبع العقلية وأوَّل الصفاتِ الخبرية على طريقة ابن كُلّاب، ثمَّ طورٌ ثالثٌ أثبت فيه الصفاتِ جميعًا من غير تكييفٍ ولا تشبيه، جريًا على منوال السلف. وقد قرَّر ابنُ كثيرٍ هذه الأطوار الثلاثة، وجعلَ «الإبانة» ممثِّلةً للطور الأخير الذي صنَّفه آخِرًا.
ومن آخر مصنَّفاته الثلاثة التي تُعدُّ معبِّرةً عن عقيدته التي مات عليها: «مقالات الإسلاميين»، و«رسالة إلى أهل الثغر»، و«الإبانة عن أصول الديانة».
ثانيًا: مكانة الكتاب وأهمّيّته
تنبع أهمّيّة «الإبانة» من كونها (عند جمهور أهل السنّة) الوثيقةَ الختاميّة لعقيدة الأشعري، وذلك من أربعة وجوه:
▪︎ أنَّها آخر ما عبَّر به عن معتقده، فهي ميزانٌ يُعرَفُ به ما استقرَّ عليه أمرُه وما رجع عنه ممَّا نُسب إليه.
وقد نصَّ القاضي ابنُ درباس الشافعيُّ (ت ٦٢٢هـ) في «رسالته في الذبِّ عن أبي الحسن الأشعري» على أنَّ «الإبانة» هي التي استقرَّ عليها أمرُه فيما كان يعتقده، وأنَّ كلَّ مقالةٍ تُنسبُ إليه تخالف ما فيه فقد رجعَ عنها وتبرَّأ إلى الله منها.
▪︎ أنَّها حجّةٌ على رجوع الأشعريِّ إلى مُجمَل اعتقاد أهل السنّة والجماعة، وهو ما قرَّره ابنُ كثيرٍ في جعلها طورَه الأخير.
▪︎ أنَّها حجّةٌ على متأخِّري الأشاعرة في منهجهم التأويليِّ؛ لِما تحويه من إثباتٍ للصفات الخبرية كالاستواء والوجه واليدين، إذ كيف يخالفون إمامَهم في آخر ما استقرَّ عليه؟
▪︎ كثرةُ من نسبها إليه واعتمدها من الأئمّة، وفي مقدِّمتهم البيهقيُّ (ت ٤٥٨هـ) الذي نقل عنها في «الاعتقاد»، وابنُ عساكر (ت ٥٧١هـ)، وابنُ درباس، وابنُ تيمية (ت ٧٢٨هـ)، والذهبيُّ (ت ٧٤٨هـ)، وابنُ رجبٍ (ت ٧٩٥هـ)، وابنُ حجرٍ (ت ٨٥٢هـ).
ثالثًا: مضمون الكتاب ومنهج المؤلِّف فيه
افتتح الأشعريُّ كتابه ببيان مذهبه صراحةً، فأعلن أنَّ قولَه الذي يقول به وديانتَه التي يدينُ الله بها: التمسُّكُ بكتاب الله وسنّة نبيِّه ﷺ وما رُوي عن الصحابة والتابعين وأئمّة الحديث، وأنَّه بقول أحمدَ بن حنبلٍ قائلٌ، ولمن خالف قولَه مخالف.
وقد سار المصنِّف في كتابه على خطواتٍ منتظمة، تبدأ بخطبةٍ تتضمَّن بيان موضوع الكتاب وأسباب تأليفه، ثمَّ بيانِ مضمون العقائد الباطلة التي يُراد ردُّها، ثمَّ سَردٍ مقرونٍ بالأدلّة لعقيدة أهل الحديث، ثمَّ تقريرِ المسائل الكبرى مسألةً مسألة مع الاستدلال ودفعِ شُبَه المخالفين.
وقد اشتمل الكتاب على مناظراتٍ كلاميّةٍ عقديّة، وجاء في مجمله ردًّا على أصول الفرق المخالفة من الجهمية والمعتزلة والقدرية والخوارج والرافضة وغيرهم.